دراسات مناخية

أخطاء النماذج المناخية في تمثيل السحب وتأثيرها في توقعات الاحترار العالمي

تُعد السحب من أكثر العناصر تعقيداً في النظام المناخي، فهي تؤثر بصورة مباشرة في توازن الطاقة على الأرض من خلال عكس جزء من الإشعاع الشمسي نحو الفضاء، وامتصاص وإعادة إصدار الإشعاع الحراري الصادر عن سطح الأرض والغلاف الجوي.

وعلى الرغم من التطور الكبير في النماذج المناخية والحسابات الحاسوبية، لا يزال تمثيل السحب أحد التحديات العلمية المهمة أمام الباحثين، نظراً لتنوع أشكالها وارتفاعاتها وخصائصها الفيزيائية، فضلاً عن التفاعلات المعقدة بينها وبين الإشعاع والرطوبة وحركة الهواء.

وتكتسب دقة تمثيل السحب أهمية خاصة في حسابات حساسية المناخ للتغيرات المناخية، وفي تقدير مقدار الاحترار العالمي المتوقع مستقبلاً.

لماذا يصعب تمثيل السحب في النماذج المناخية؟

تعمل النماذج المناخية من خلال تقسيم الغلاف الجوي إلى خلايا أو وحدات حسابية ثلاثية الأبعاد، تُحسب داخلها متغيرات مثل درجة الحرارة والضغط والرطوبة والرياح.

لكن السحب تتشكل وتتطور على مقاييس مكانية وزمنية أصغر بكثير من حجم بعض هذه الخلايا الحسابية. ولهذا لا تستطيع النماذج العالمية تمثيل جميع العمليات الفيزيائية المرتبطة بتكوين السحب بصورة مباشرة.

تعتمد النماذج بدلاً من ذلك على ما يُعرف باسم المعاملات الفيزيائية للسحب (Cloud Parameterizations)، وهي معادلات وتقريبات رياضية تستخدم خصائص الهواء داخل الخلية الحسابية لتقدير نسبة الغطاء السحابي وخصائص القطرات والبلورات الجليدية والتأثير الإشعاعي للسحب.

وتؤدي الاختلافات في هذه المعادلات والافتراضات المستخدمة إلى ظهور فروقات بين النماذج في محاكاة الغطاء السحابي، وهو ما ينعكس على تقديرات توازن الطاقة وحساسية المناخ.

مقارنة النماذج المناخية برصد الأقمار الصناعية

في دراسة علمية نُشرت في مجلة Earth and Space Science بتاريخ 5 يوليو 2023، بعنوان:

Assessing Clouds Using Satellite Observations Through Three Generations of Global Atmosphere Models

قارن الباحثون براين ميديروس وجوناه شو وجنيفر كاي وإسحاق ديفيس تمثيل السحب في ثلاثة أجيال من النماذج الجوية المرتبطة بعائلة نماذج النظام المناخي المجتمعي (CESM)، بالاستعانة ببيانات الأقمار الصناعية.

استخدمت الدراسة محاكيات الأقمار الصناعية داخل النماذج، بهدف جعل المقارنة بين السحب التي تنتجها المحاكاة والسحب المرصودة أكثر اتساقاً، بدلاً من مقارنة مخرجات مختلفة بطبيعتها بصورة مباشرة.

وشملت المقارنة خصائص متعددة للسحب، من بينها:

  • كمية الغطاء السحابي وتوزيعه المكاني.
  • ارتفاع السحب وبنيتها الرأسية.
  • الخصائص البصرية للسحب.
  • التأثير الإشعاعي للسحب عند أعلى الغلاف الجوي.

وأظهرت النتائج تحسناً في بعض جوانب تمثيل السحب عبر أجيال النماذج، ولا سيما في حساب التأثير الإشعاعي للسحب عند أعلى الغلاف الجوي، إلا أن التحسن في الجيل الأحدث لم يكن كبيراً في جميع الخصائص والمناطق.

كما كشفت الدراسة عن وجود انحيازات مكانية في تمثيل الغطاء السحابي، ومن أبرزها ارتفاع الغطاء السحابي المحاكى عن القيم المرصودة في بعض مناطق المحيط الجنوبي.

وأشارت النتائج كذلك إلى أن النماذج لا تزال بحاجة إلى تحسين تمثيل كمية السحب وارتفاعها وخصائصها البصرية، وعدم الاكتفاء بضبط التأثير الإشعاعي الإجمالي عند أعلى الغلاف الجوي.

السحب المنخفضة والسحب العالية: أين تظهر الاختلافات؟

أظهرت المقارنات مع بيانات الأقمار الصناعية أن الأخطاء لا تقتصر على كمية الغطاء السحابي الإجمالية، بل تشمل أيضاً التوزيع الرأسي للسحب.

ففي بعض الأنظمة الجوية، أظهرت النماذج زيادة في تمثيل السحب العالية، ولا سيما السحب السمحاقية (Cirrus)، في حين أظهرت نقصاً في تمثيل السحب المنخفضة.

وتكتسب هذه الاختلافات أهمية مناخية لأن السحب لا تؤثر جميعها بالطريقة نفسها في ميزانية الطاقة الأرضية.

فالسحب المنخفضة، وخصوصاً الطبقية والركامية البحرية، تعكس قدراً مهماً من الإشعاع الشمسي، ما يجعل تأثيرها التبريدي واضحاً في كثير من الظروف.

أما السحب العالية، فتتميز بخصائص مختلفة في تفاعلها مع الإشعاع الحراري الصادر عن الأرض، ويمكن أن تسهم في الحد من فقدان الحرارة إلى الفضاء.

وبالتالي، فإن الخطأ في تحديد ارتفاع السحب أو نوعها أو كمية الغطاء الذي تشكله قد يؤدي إلى اختلاف في حساب التأثير الإشعاعي للسحب، حتى عندما تبدو كمية الغطاء السحابي الإجمالية قريبة من الرصد.

دراسة أخرى تكشف صعوبة محاكاة السحب المنخفضة

في دراسة لاحقة نُشرت في مجلة Journal of Climate بتاريخ 15 مايو 2024، بعنوان:

Assessing CESM2 Clouds and Their Response to Climate Change Using Cloud Regimes

درس الباحثان إسحاق ديفيس وبراين ميديروس أداء نموذج النظام المناخي المجتمعي من الجيل الثاني (CESM2)، باستخدام ثلاثة منتجات مستقلة لرصد السحب عبر الأقمار الصناعية.

اعتمدت الدراسة على تصنيف أنماط السحب باستخدام خوارزميات التجميع الإحصائي، ثم مقارنة الأنماط المرصودة بالأنماط التي يحاكيها النموذج.

وأظهرت النتائج أن النموذج استطاع إعادة إنتاج الخصائص العامة لبعض أنماط السحب في المناخ الحالي، لكنه واجه صعوبة في تمثيل التنوع الفعلي للأنماط السحابية المرصودة.

وكانت المشكلة أكثر وضوحاً في السحب المنخفضة المرتبطة بالطبقة الحدية الجوية، حيث بالغ النموذج في تكرار بعض الأنماط السحابية على حساب أنماط أخرى.

كما أظهرت محاكاة السيناريوهات المناخية المستقبلية انخفاضاً في تكرار بعض أنماط السحب المنخفضة، ولا سيما فوق المناطق المدارية التي تسودها حركة هبوط واسعة النطاق للهواء، مع زيادة تكرار أنماط أخرى ذات تأثير إشعاعي أضعف.

وتوضح هذه النتائج أن دقة النموذج في محاكاة متوسط الغطاء السحابي لا تعني بالضرورة قدرته على تمثيل جميع الأنماط السحابية وتغيراتها المستقبلية بصورة صحيحة.

كيف تؤثر أخطاء تمثيل السحب في التوقعات المناخية؟

تؤثر خصائص السحب في حسابات توازن الطاقة بين الأرض والغلاف الجوي والفضاء، ولذلك فإن وجود انحيازات في محاكاتها قد ينعكس على تقديرات عدد من المتغيرات المناخية.

ومن أبرز المجالات التي تتأثر بهذه الأخطاء:

1. حساسية المناخ لارتفاع تركيزات غازات الدفيئة

تؤثر استجابة السحب لارتفاع درجات الحرارة في مقدار التغير المتوقع في متوسط حرارة الأرض. ولهذا تُعد التغذية الراجعة السحابية (Cloud Feedback) أحد مصادر الاختلاف بين تقديرات حساسية المناخ في النماذج.

2. ميزانية الإشعاع الأرضي

تؤثر كمية السحب وارتفاعها وخصائصها البصرية في مقدار الإشعاع الشمسي المنعكس والإشعاع الحراري الصادر إلى الفضاء، وبالتالي في حساب صافي الطاقة التي يكتسبها النظام المناخي أو يفقدها.

3. التوزيع المكاني للتغيرات المناخية

قد تؤدي الاختلافات في تمثيل السحب إلى فروقات إقليمية في محاكاة درجات الحرارة والهطول والأنماط الجوية، تبعاً لطبيعة السحب والظروف الجوية السائدة في كل منطقة.

4. التوقعات المناخية المستقبلية

عندما تختلف النماذج في تمثيل استجابة السحب للاحترار، تظهر فروقات في تقديرات التغير المناخي المستقبلي، وهو ما يفسر جانباً من التباين بين نتائج النماذج المناخية العالمية.

الأقمار الصناعية ودورها في تحسين النماذج

تؤدي الأقمار الصناعية دوراً أساسياً في تقييم أداء النماذج المناخية، إذ توفر قياسات واسعة النطاق لخصائص السحب وتوزيعها وارتفاعها وخصائصها الإشعاعية.

وتتيح مقارنة هذه البيانات بمخرجات النماذج تحديد المناطق والظروف الجوية التي تظهر فيها أكبر الانحيازات، كما تساعد الباحثين على تطوير المعادلات المستخدمة في تمثيل العمليات السحابية.

وتشير الدراستان إلى أهمية استخدام مجموعة متنوعة من مشاهدات السحب، تشمل كمية الغطاء السحابي وارتفاعه وخصائصه البصرية، بدلاً من الاعتماد على متغير واحد لتقييم أداء النموذج.

الخلاصة العلمية

تُظهر الدراسات أن تمثيل السحب لا يزال من التحديات المهمة في تطوير النماذج المناخية، رغم التحسن الذي تحقق عبر أجيال النماذج المختلفة.

وتتمثل أبرز المشكلات في صعوبة محاكاة التنوع الفعلي للسحب، والاختلافات في توزيعها الرأسي، وتمثيل السحب المنخفضة والعالية، إضافة إلى الانحيازات الإقليمية في كمية الغطاء السحابي وتأثيره الإشعاعي.

وتؤكد نتائج الأبحاث أن تحسين النماذج المناخية يتطلب الاستفادة المستمرة من بيانات الأقمار الصناعية، وتطوير تمثيل الخصائص الفيزيائية للسحب، بما يساهم في تقليل عدم اليقين في تقديرات التغير المناخي المستقبلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى