أبخرة وانخسافات وتشققات في جبل كوكب بالحسكة.. ماذا يحدث تحت سطح الأرض؟

المركز السوري للطقس والمناخ – 27 أيلول/سبتمبر 2026
شهد محيط جبل كوكب شرقي مدينة الحسكة خلال الأيام الأخيرة ظاهرة جيولوجية أثارت اهتمام السكان والجهات المختصة، تمثلت في ظهور أبخرة من بعض المواقع، بالتزامن مع تسجيل انخسافات في التربة وتشققات على سطح الأرض.
وجاءت هذه المشاهد بعد الهزة الأرضية التي ضربت جنوب تركيا وشعر بها سكان مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا في 24 أيلول/سبتمبر، الأمر الذي دفع إلى انتشار تساؤلات حول وجود علاقة بين الحدثين، وذهب بعضها إلى الحديث عن احتمال عودة النشاط البركاني في المنطقة.
لكن حتى الآن لا توجد نتائج علمية رسمية تثبت عودة النشاط البركاني في جبل كوكب، فيما تؤكد المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية أن الظاهرة لا تزال قيد الدراسة الميدانية، وأن تحديد طبيعة الأبخرة ومصدرها يحتاج إلى قياسات متخصصة.
ماذا حدث في جبل كوكب؟
بحسب المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، رصدت فرقها الفنية في منطقة جبل كوكب عدة مؤشرات تستدعي الدراسة، أبرزها:
- تصاعد أبخرة من بعض المواقع.
- ظهور انخسافات في التربة.
- وجود تشققات في سطح الأرض.
- مؤشرات تستدعي التحقق من طبيعة التكوينات الموجودة تحت سطح الأرض.
- احتمال وجود فراغات أو مناطق ضعف في التربة والصخور.
وأكدت المؤسسة أن التعامل مع مثل هذه الظواهر يعتمد على المعاينة الميدانية والقياسات العلمية المتخصصة، وأن أي استنتاجات نهائية لن تعتمد قبل استكمال أعمال المسح والتحليل وإعداد تقرير فني متكامل.
هل لجبل كوكب أصل بركاني؟
نعم. تشير المعطيات الرسمية إلى أن جبل كوكب يقع ضمن نطاق الحقل البركاني في شمال شرقي سوريا، وهي منطقة تتميز بتكوينات بركانية وتراكيب جيولوجية وتكتونية متداخلة.
وهذا العامل مهم في تفسير سبب اهتمام الجيولوجيين بالظاهرة الحالية، لكنه لا يعني بحد ذاته أن الجبل عاد إلى النشاط البركاني.
فوجود صخور أو تضاريس ذات أصل بركاني لا يعني بالضرورة وجود صهارة نشطة أسفل الجبل، كما أن خروج بخار أو غازات من شقوق سطحية لا يكفي وحده لإثبات وجود نشاط بركاني جديد.
ولهذا أكدت المؤسسة أن تحديد طبيعة الأبخرة والغازات ومصدرها يتطلب قياسات ميدانية مباشرة.
ما التفسير العلمي الأولي للأبخرة؟
أبرز تفسير رسمي طُرح حتى الآن لا يتحدث عن ثوران بركاني، وإنما عن احتمال ارتباط الأبخرة بـحركة المياه الجوفية.
وتقول المؤسسة العامة للجيولوجيا إن الدراسة الأولية تشير إلى احتمال تسرب المياه الجوفية عبر الشقوق والفوالق إلى أعماق الأرض، حيث يمكن أن تتفاعل مع التكوينات الجيولوجية الموجودة في المنطقة.
لكن هذا التفسير لا يزال احتمالًا أوليًا وليس نتيجة نهائية.
ولمعرفة طبيعة ما يخرج من الأرض، يجب تحديد ما إذا كان المتصاعد:
- بخار ماء ناتجًا عن تسخين المياه الجوفية.
- غازات مرتبطة بالتكوينات الجيولوجية.
- مزيجًا من بخار الماء وغازات أخرى.
- أو ناتجًا عن مصدر سطحي أو بيئي لا علاقة مباشرة له بالنشاط الجيولوجي العميق.
ولهذا أوصت المؤسسة بإجراء قياسات متخصصة للغازات والأبخرة وتحديد تراكيزها ومكوناتها قبل إصدار أي تفسير نهائي.
لماذا ظهرت الأبخرة بعد الزلزال؟
هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
في 24 أيلول/سبتمبر 2026 وقع زلزال بقوة 5.4 درجات في منطقة قره كوبرو بولاية شانلي أورفا جنوب تركيا، وفق بيانات إدارة الكوارث والطوارئ التركية “آفاد”، وسجل الزلزال على عمق يقارب 7.4 كيلومترات. كما تظهر بيانات الرصد الزلزالي التركية أن الهزة وقعت الساعة 10:40 بالتوقيت المحلي.
وبعد الهزة، تداول سكان المنطقة مشاهد لأبخرة بيضاء أو دخان خفيف بالقرب من جبل كوكب، وهو ما أدى إلى الربط بين الزلزال والظاهرة.
لكن التزامن الزمني لا يثبت وجود علاقة سببية.
وقد نقلت تقارير محلية عن سكان المنطقة أن بعض الانبعاثات شوهدت بصورة متقطعة قبل الزلزال أيضًا، وهو ما يزيد الحاجة إلى دراسة ميدانية لمعرفة ما إذا كانت الظاهرة جديدة بالفعل أم أن الزلزال أدى فقط إلى تغيير مؤقت في ظاهرة موجودة مسبقًا.
هل يمكن أن يكون الزلزال قد أثر في المياه الجوفية؟
هذا احتمال يستحق الدراسة، وليس إثباتًا لما حدث في جبل كوكب.
الهزات الأرضية يمكن أن تغير مؤقتًا الضغوط داخل الصخور ومسارات المياه الجوفية، وقد تؤدي في بعض البيئات إلى إعادة توزيع المياه داخل الشقوق والفوالق.
وفي منطقة ذات بنية جيولوجية معقدة، يمكن أن يكون أي تغير في الضغط أو النفاذية عاملًا يستحق الفحص، خصوصًا إذا كانت هناك مياه جوفية قريبة من مناطق التصدع.
وهذا يتوافق جزئيًا مع الفرضية الأولية التي طرحتها المؤسسة العامة للجيولوجيا حول إمكانية ارتباط الأبخرة بحركة المياه الجوفية وتسربها عبر الشقوق والفوالق.
لكن إثبات ذلك يحتاج إلى مقارنة القياسات قبل وبعد الهزة، وفحص درجات الحرارة وتركيب الغازات والمياه، ودراسة البنية الجيولوجية تحت موقع الانبعاث.
وماذا عن الانخسافات والتشققات؟
الجزء الأكثر أهمية في الظاهرة ليس الأبخرة وحدها، وإنما ظهور انخسافات وتشققات في سطح الأرض.
وتعمل الفرق المختصة على دراسة التربة والصخور والتكوينات الموجودة تحت سطح الأرض، والتحقق من احتمال وجود:
- فراغات أو تجاويف تحت السطح.
- مناطق ضعيفة في التربة أو الصخور.
- مسارات للمياه الجوفية.
- تغيرات مرتبطة بالفوالق والشقوق الجيولوجية.
- عوامل أخرى يمكن أن تؤدي إلى هبوط موضعي في سطح الأرض.
وهنا تبرز أهمية المسح الجيوفيزيائي؛ إذ يمكن استخدام تقنيات متخصصة للكشف عن التغيرات تحت سطح الأرض دون الاكتفاء بالمشاهدة السطحية.
وقد أوصت المؤسسة بالفعل بتنفيذ مسح جيوفيزيائي متكامل للكشف عن الفراغات والتجاويف ومناطق الضعف تحت سطح الأرض.
هل هناك خطر من ثوران بركاني؟
لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تسمح بالقول إن جبل كوكب يستعد لثوران بركاني.
وهذه نقطة مهمة، خصوصًا مع انتشار مقاطع وتفسيرات على وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن “استيقاظ البركان” أو عودة النشاط البركاني.
وأكد مختصون تحدثت إليهم وسائل إعلام محلية أن مجرد ظهور الأبخرة لا يكفي لإثبات عودة النشاط البركاني، لأن تحديد مصدرها يحتاج إلى قياسات مباشرة للغازات ودرجات الحرارة ودراسة الظروف الجيولوجية في الموقع.
ولو كان هناك نشاط بركاني حقيقي، فإن تقييمه يعتمد على مجموعة من المؤشرات وليس على ظهور بخار فقط، ومنها التغيرات الحرارية، وتركيب الغازات، والنشاط الزلزالي المحلي، والتشوهات الأرضية، وأي مؤشرات أخرى تكشفها القياسات الجيوفيزيائية.
حتى الآن، لم تعلن المؤسسة العامة للجيولوجيا عن وجود هذه المؤشرات مجتمعة، وما زالت الدراسة مستمرة.
عوامل أخرى يجب فحصها
في المقابل، تشير إفادات محلية نقلتها “عنب بلدي” إلى وجود عدد من العوامل في محيط جبل كوكب ينبغي أخذها بالحسبان أثناء التحقيق الميداني، من بينها وجود مياه جوفية، ومكب نفايات قديم بالقرب من المنطقة، إضافة إلى الاستخدام العسكري السابق لبعض المواقع المحيطة.
هذه المعلومات لا تثبت أن أيًا من هذه العوامل هو مصدر الأبخرة، لكنها توضح لماذا لا ينبغي حصر التفسير في النشاط البركاني أو الزلزالي قبل استكمال الفحوص.
ومن الناحية العلمية، فإن تحليل الغازات ودرجة الحرارة ومكونات التربة والمياه يمكن أن يساعد في التمييز بين المصادر الجيولوجية والمصادر السطحية أو البشرية.
لماذا طلبت المؤسسة الابتعاد عن الموقع؟
على الرغم من عدم وجود إعلان عن خطر بركاني، فإن وجود تشققات وانخسافات حديثة يجعل الاقتراب من المواقع المتأثرة غير آمن إلى حين معرفة طبيعة التربة واستقرارها.
ولهذا أوصت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية بما يلي:
- الابتعاد عن مواقع الانخسافات والتشققات.
- عدم الوقوف على حواف مناطق الانخساف.
- وضع إشارات وشريط تحذيري حول المواقع المتأثرة.
- منع مرور الأشخاص والآليات في المناطق التي تظهر فيها مؤشرات على عدم استقرار سطح الأرض.
- إجراء قياسات متخصصة للغازات والأبخرة.
- تنفيذ مسح جيوفيزيائي للكشف عن الفراغات ومناطق الضعف.
- استمرار المراقبة الميدانية وتوثيق أي تغيرات جديدة.
وهذه الإجراءات احترازية بالدرجة الأولى، ولا تعني بحد ذاتها أن المنطقة تواجه كارثة وشيكة.
ما الذي يجب مراقبته خلال الأيام المقبلة؟
من الناحية العلمية، ستكون المعلومات الأكثر أهمية خلال المرحلة القادمة هي نتائج القياسات الميدانية، ولا سيما:
أولًا: تركيب الأبخرة والغازات
هل هي بخار ماء فقط؟ أم تحتوي على غازات مثل ثاني أكسيد الكربون أو مركبات كبريتية أو غازات أخرى؟
ثانيًا: درجة الحرارة
هل درجة حرارة الانبعاثات أعلى بشكل غير طبيعي من درجة حرارة البيئة المحيطة؟
ثالثًا: النشاط الزلزالي المحلي
هل توجد هزات صغيرة ومتكررة تحت جبل كوكب أو في محيطه؟
رابعًا: تغيرات سطح الأرض
هل تتوسع التشققات؟ وهل تتزايد مساحة أو عمق الانخسافات؟
خامسًا: المياه الجوفية
هل طرأت تغيرات على مستوى المياه أو حرارتها أو تركيبها الكيميائي؟
سادسًا: المسح الجيوفيزيائي
هل توجد فراغات أو مناطق ضعف أو مسارات مائية تحت المناطق التي ظهرت فيها الانخسافات؟
هذه البيانات مجتمعة ستكون أكثر قدرة على تحديد طبيعة الظاهرة من الصور ومقاطع الفيديو المتداولة وحدها.
الخلاصة
الظاهرة التي يشهدها جبل كوكب في الحسكة حقيقية وتستحق المتابعة العلمية، خصوصًا مع اجتماع ثلاثة مؤشرات: الأبخرة، والانخسافات، والتشققات الأرضية.
لكن المعطيات المتاحة حتى مساء 27 أيلول/سبتمبر لا تسمح بالقول إن جبل كوكب دخل في مرحلة نشاط بركاني جديد.
المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية تضع في مقدمة الاحتمالات الأولية حركة المياه الجوفية وتسربها عبر الشقوق والفوالق إلى أعماق الأرض، لكنها لم تعتمد هذا التفسير كخلاصة نهائية، ولا تزال تعمل على القياسات والمسح الجيوفيزيائي وتحليل طبيعة الأبخرة والغازات.
كما أن ظهور الأبخرة بعد زلزال 24 أيلول/سبتمبر في جنوب تركيا يفتح بابًا لدراسة احتمال وجود علاقة بين الهزة والتغيرات في النظام الجوفي أو الجيولوجي المحلي، لكن لا توجد حتى الآن أدلة كافية لإثبات هذه العلاقة.
وبالتالي، فإن أهم ما ينبغي فعله حاليًا هو الابتعاد عن مواقع التشققات والانخسافات وعدم التعامل مع المشاهد المتداولة على أنها دليل على ثوران بركاني، بانتظار نتائج القياسات العلمية التي



