دراسات مناخية

نهر ثويتس الجليدي يواصل فقدان الجليد حتى في غياب ذوبان المحيطات.. ماذا تكشف الدراسة الجديدة؟

دراسة علمية تكشف أن تراجع نهر ثويتس في القارة القطبية الجنوبية قد يستمر لأكثر من قرن، حتى في سيناريو افتراضي يتوقف فيه ذوبان الجليد بفعل مياه المحيطات، ما يسلط الضوء على أثر التغيرات المناخية السابقة في استقرار الأنهار الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر.

أين نُشرت الدراسة؟

نُشرت الدراسة في مجلة Geophysical Research Letters العلمية، التابعة للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، بتاريخ 25 يوليو/تموز 2026، تحت عنوان:

Mass Loss From Thwaites Glacier Continues Even Without Ocean Melting

وحملت معرّف الوثيقة الرقمي (DOI): 10.1029/2026GL122843.

قاد البحث سي. روزي ويليامز من هيئة المسح البريطاني للقارة القطبية الجنوبية، بمشاركة باحثين من جامعات ومؤسسات علمية بريطانية. واعتمدت الدراسة على ثلاثة نماذج حاسوبية متقدمة لمحاكاة استجابة نهر ثويتس ونهر باين آيلاند المجاور للتغيرات في ذوبان الجليد بفعل المحيطات.

المصدر العلمي الأصلي:
https://doi.org/10.1029/2026GL122843

الملخص المنشور من هيئة المسح البريطاني للقارة القطبية الجنوبية:
https://www.bas.ac.uk/news/thwaites-glacier-will-keep-losing-ice-even-if-oceans-cool/

ما الذي اختبره العلماء فعلياً؟

لم تقتصر الدراسة على رصد معدل ذوبان الجليد الحالي، بل حاولت الإجابة عن سؤال أساسي: هل يستمر فقدان الجليد في نهر ثويتس بسبب استمرار تأثير مياه المحيطات الدافئة وحدها، أم أن التغيرات التي حدثت في الماضي دفعت النهر الجليدي إلى مسار من التراجع يستمر حتى بعد زوال جزء كبير من هذا التأثير؟

لاختبار ذلك، أجرى الباحثون تجربة حاسوبية افتراضية متطرفة، أوقفوا فيها ذوبان الجليد بفعل المحيطات تحت الرفوف الجليدية العائمة، ثم تابعوا تطور النهرين الجليديين على مدى 150 عاماً.

واستخدم الفريق ثلاثة نماذج مستقلة لديناميكيات الصفائح الجليدية، بهدف اختبار مدى ثبات النتائج رغم الاختلافات في طرق الحساب والافتراضات المستخدمة.

ومن الضروري التأكيد أن إيقاف الذوبان المحيطي بالكامل ليس سيناريو واقعياً في الطبيعة؛ فقد أوضح الباحثون أن مياه البحر عند درجة التجمد السطحي يمكن أن تظل قادرة على إحداث ذوبان في الأعماق. لذلك، فإن التجربة ليست توقعاً حرفياً لما سيحدث مستقبلاً، بل اختبار علمي لمعرفة ما إذا كان فقدان الجليد سيستمر حتى عند إزالة هذا العامل المؤثر.

النتيجة الأبرز: ثويتس لا يستعيد توازنه بمجرد وقف الذوبان

أظهرت المحاكاة أن نهر ثويتس واصل فقدان كتلته الجليدية خلال فترة المحاكاة البالغة 150 عاماً، رغم افتراض توقف الذوبان المحيطي تماماً. ومع مرور الوقت، تراجعت وتيرة فقدان الجليد في النماذج، لكن النهر لم يُظهر تقدماً كبيراً يعيده إلى موقعه السابق.

في المقابل، أظهر نهر باين آيلاند استجابة مختلفة؛ إذ بدأ باستعادة الكتلة الجليدية والتقدم نحو حافة بحرية كان مرتكزاً عليها قبل تراجعه في أربعينيات القرن العشرين.

ويعني هذا الاختلاف أن الأنهار الجليدية المتجاورة لا تستجيب بالضرورة بالطريقة نفسها للظروف المناخية، حتى عندما تتعرض لتأثيرات محيطية متشابهة. فشكل قاع البحر، وهندسة النهر الجليدي، وطبيعة الرف الجليدي العائم، ومدى قدرته على مقاومة تدفق الجليد من الداخل، كلها عوامل تؤثر في تطوره.

لماذا يستمر ثويتس في فقدان الجليد؟

تشير الدراسة إلى أن جزءاً من التراجع الحالي قد يكون استجابة متأخرة لتغيرات مناخية ومحيطية حدثت في الماضي، خصوصاً خلال أربعينيات القرن العشرين، عندما تراجع النهر الجليدي عن نقاط ارتكازه على قاع البحر.

فعندما يتراجع خط ارتكاز النهر الجليدي، أي المنطقة التي ينتقل عندها الجليد من الارتكاز على قاع البحر إلى الطفو فوق المياه، يمكن أن تتغير آلية تدفق الجليد وتوزيع الإجهادات داخله. وقد يصبح من الصعب استعادة الوضع السابق حتى إذا انخفض تأثير الذوبان المحيطي لاحقاً.

وتُظهر النتائج أن استجابة الأنهار الجليدية قد تستمر لعقود أو قرون بعد التغير المناخي الذي أطلقها. ويُعرف ذلك في علم المناخ والأنظمة الجليدية بالاستجابة المتأخرة أو العابرة؛ إذ لا تتوقف حركة النظام فور زوال العامل الذي بدأ التغير.

لكن الدراسة لا تثبت أن التغيرات التاريخية هي السبب الوحيد للتراجع الحالي، ولا تنفي دور الاحترار المحيطي المستمر. بل تشير إلى أن تأثير الظروف السابقة قد يكون أحد العوامل المهمة في تفسير استمرار فقدان الجليد.

هل يعني ذلك أن ارتفاع البحار أصبح حتمياً بمقدار 65 سنتيمتراً؟

يرتبط اسم «نهر يوم القيامة الجليدي» بتقديرات تشير إلى أن فقدان نهر ثويتس بالكامل يمكن أن يساهم في رفع مستوى سطح البحر العالمي بنحو 65 سنتيمتراً على المدى الطويل.

لكن هذا الرقم يحتاج إلى تفسير دقيق: إنه تقدير للمساهمة المحتملة في حال فقدان النهر الجليدي بالكامل، وليس مقداراً متوقعاً لارتفاع البحار خلال السنوات الـ150 المقبلة، ولا نتيجة كمية مباشرة لهذه الدراسة.

لم تحدد الدراسة أن انهيار ثويتس الكامل سيحدث بعد 150 عاماً، ولم تقل إن ارتفاعاً قدره 65 سنتيمتراً أصبح مؤكداً أو وشيكاً. ما اختبرته هو استمرار فقدان الجليد في نموذج افتراضي، حتى مع إلغاء الذوبان المحيطي، وليس موعد الانهيار الكامل أو مقدار ارتفاع البحر الناتج خلال فترة محددة.

وتكمن أهمية ثويتس أيضاً في موقعه ضمن صفيحة غرب القارة القطبية الجنوبية؛ فالتغيرات التي تصيبه قد تؤثر في استقرار مناطق جليدية مجاورة. وتحتوي صفيحة غرب أنتاركتيكا ككل على كمية من الجليد تكفي لرفع مستوى البحار عالمياً بنحو خمسة أمتار إذا فُقدت بالكامل، لكن ذلك لا يعني أن هذا السيناريو سيحدث قريباً أو أن الدراسة الحالية تتنبأ بحدوثه.

ما أهمية النتائج بالنسبة إلى مستقبل السواحل؟

تؤكد الدراسة أهمية عدم الاعتماد على انخفاض حرارة المحيطات وحده بوصفه ضماناً لعودة الأنهار الجليدية إلى حالتها السابقة. فبعض التغيرات التي تحدث في الصفائح الجليدية قد تستمر بفعل ديناميكياتها الداخلية وتغير هندستها، حتى بعد تراجع أحد العوامل الخارجية المؤثرة فيها.

وتبرز هذه النتائج أهمية استمرار مراقبة القارة القطبية الجنوبية باستخدام الأقمار الصناعية والقياسات الميدانية، وتحسين النماذج التي تحاكي حركة الجليد وتفاعله مع المحيط وقاع البحر. كما تدعم الحاجة إلى التخطيط طويل الأمد لارتفاع مستوى سطح البحر، مع التمييز بين التغيرات التي أصبحت صعبة الانعكاس وبين التوقعات التي لا تزال تعتمد على مسارات الاحترار والانبعاثات المستقبلية.

الخلاصة العلمية

تقدم الدراسة دليلاً نموذجياً على أن فقدان الجليد في نهر ثويتس لا يعتمد فقط على الذوبان المحيطي الجاري، بل يتأثر أيضاً بتاريخ تراجعه والتغيرات التي طرأت على استقراره. ومع ذلك، فإن استمرار الفقدان في المحاكاة لمدة 150 عاماً لا يعني أن الانهيار الكامل سيقع خلال هذه الفترة، كما أن رقم 65 سنتيمتراً يمثل تقديراً للمساهمة المحتملة في حال فقدان النهر الجليدي بالكامل، وليس توقعاً مباشراً للفترة التي درستها الورقة.

وتبقى الرسالة الأهم أن الأنظمة الجليدية الكبرى قد تستجيب للتغيرات المناخية على مدى زمني أطول بكثير من عمر الحدث الذي أطلق التغير، وهو ما يجعل مراقبتها وفهم ديناميكياتها عنصراً أساسياً في تقدير مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر مستقبلاً.

المصادر العلمية

  1. Williams, C. R., et al. (2026). Mass Loss From Thwaites Glacier Continues Even Without Ocean Melting. Geophysical Research Letters, 53(14), e2026GL122843.
    https://doi.org/10.1029/2026GL122843
  2. British Antarctic Survey (13 October 2026). Thwaites Glacier will keep losing ice even if oceans cool.
    https://www.bas.ac.uk/news/thwaites-glacier-will-keep-losing-ice-even-if-oceans-cool/
  3. International Thwaites Glacier Collaboration — معلومات عن النهر الجليدي وأهميته في ارتفاع مستوى سطح البحر.
    https://www.bas.ac.uk/project/international-thwaites-glacier-collaboration/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى