ما بعد هرمز.. سوريا بوابة الخليج نحو المتوسط وأوروبا

تطرح ورقة “ما بعد هرمز: مشروع 4+1 وإعادة رسم ممرات الطاقة والتجارة عبر سوريا”، للباحث أسامة قاضي، والصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات تصورًا يتجاوز التعامل مع سوريا باعتبارها دولة مستهلكة للطاقة ومتضررة من اضطرابات أسواقها، إلى إعادة تعريف موقعها باعتبارها معبرًا إقليميًا للطاقة والتجارة يمكن أن يصل الخليج والعراق بالبحر المتوسط وتركيا وأوروبا.
ولا تنطلق الورقة التحليلية من افتراض إمكان الاستغناء عن مضيق هرمز، بل تؤكد منذ البداية أن البحث عن بديل كامل له غير واقعي اقتصاديًا وفنيًا. وما تقترحه هو إنشاء مسارات احتياطية قادرة، عند الأزمات، على تحويل جزء من صادرات النفط والغاز وحركة التجارة بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية، بحيث تكتسب دول الخليج قدرة أكبر على إدارة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
وفي قلب هذا التصور يأتي مشروع “4+1” الذي يقترحه الباحث بنفسه: أربعة مسارات للطاقة، هي تطوير مسار التابلاين وصولًا إلى بانياس، وتحديث خط كركوك-بانياس، ومد خط للغاز القطري عبر السعودية والأردن وسوريا إلى تركيا، مع فرع يتجه إلى بانياس لتسييل الغاز وتصديره، ثم يأتي “+1″، وهو خط حديدي سريع يربط السعودية والأردن وسوريا وتركيا لنقل البضائع والغذاء والركاب.
وتتسع الفكرة أكثر بربط هذه المنظومة بـ”رؤية البحار الأربعة” التي تجمع الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، وكذلك بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
وبذلك لا تصبح سوريا، في تصور الورقة، مجرد أرض تمر فيها أنابيب، وإنما منصة متعددة الوسائط تجمع النفط والغاز والموانئ والسكك الحديدية وسلاسل التبريد والخدمات الرقمية والصناعة والتجارة.
عندما يصبح هرمز نقطة ضعف
تنطلق الحاجة إلى هذا المشروع من مفارقة أساسية: امتلاك النفط والغاز لا يضمن وصولهما إلى الأسواق إذا ظلت الصادرات مركزة في ممرات بحرية يمكن تعطيلها.
وتستند الورقة إلى تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي تشير إلى أن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، وأن المضيق حمل خلال عام 2024 قرابة خُمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية، ونحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
ويزيد من حساسية هذا الوضع أن معظم التدفقات العابرة لهرمز تتجه إلى آسيا؛ ولذلك فإن أي اضطراب، حتى إن كان قصير الأجل، لا يبقى محصورًا في الخليج، وإنما ينتقل سريعًا إلى أسعار النفط والغاز والتأمين والشحن والأسمدة والغذاء.
ولم تقف دول الخليج بلا بدائل. فقد طورت السعودية خط شرق-غرب إلى ينبع، وطورت الإمارات خط أبوظبي-الفجيرة، وتشير الورقة إلى أن المملكة استطاعت عند الذروة تصدير 7 ملايين برميل يوميًا عبر ميناء ينبع.
لكن الانتقال إلى البحر الأحمر لا ينهي المشكلة؛ إذ تظهر عندئذ معضلة أخرى هي باب المندب وما يرتبط به من مخاطر في ظل جماعة أنصار الله “الحوثيين”.
ومن هنا تصوغ الورقة سؤالها الرئيسي: هل تستطيع سوريا أن تقدم للخليج مسارًا إضافيًا آمنًا وقابلًا للتمويل إلى البحر المتوسط؟ وكيف يمكن إدماج هذا المسار في شبكة أوسع للطاقة والتجارة والغذاء؟

سوريا.. الجغرافيا التي لا تكفي وحدها
ترى الورقة أن سوريا تمتلك ميزة جغرافية خاصة؛ فهي تقع عند نقطة يمكن أن تجمع العراق والحدود الأردنية والموانئ المتوسطية والطريق البري نحو تركيا، بما يسمح بتقليل المسافة بين مناطق إنتاج الطاقة وموانئ المتوسط، ويتيح تجاوز هرمز والوصول مباشرة إلى البحر المتوسط.
لكن الباحث يحذر في الوقت نفسه من الوقوع في وهم أن رسم الخطوط على الخريطة يكفي لصناعة ممر اقتصادي.
فالموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى ميزة اقتصادية. ويحتاج المشروع إلى استقرار أمني، ومرور مضمون، ومرافق حماية، وموانئ مناسبة، وكهرباء واتصالات، وتسعير تنافسي، وآليات مقبولة لتسوية النزاعات، فضلًا عن دخول شركات كبرى تستطيع الاستثمار في الممر وتشغيله اقتصاديًا.
ولهذا تربط الورقة نجاح المشروع بإطار قانوني عابر للحدود، وضمانات استثمار قابلة للتنفيذ، وهيئة مستقلة لإدارة الممر، ودراسات هندسية وبيئية، وعقود عبور طويلة الأجل، وتمويل مرحلي تقوده الصناديق السيادية وشركات الطاقة والمؤسسات الإنمائية.
والاقتراح هنا ليس البدء فورًا ببناء المنظومة بحجمها النهائي، وإنما إجراء الدراسات ثم إطلاق ربط محدود قابل للتوسع قبل الالتزام بالطاقات الضخمة المستهدفة.
“4+1”.. خمسة مشروعات في منظومة واحدة
تشدد الورقة على أن “4+1” ليس تجميعًا لخمسة مشروعات مستقلة. فقيمته تأتي من التكامل بينها.
خطوط النفط والغاز تمنح الممر حجمه الاقتصادي، والموانئ تفتحه على السوق العالمية، والسكك الحديدية تضيف حركة الغذاء والبضائع والركاب، بينما تخلق المنشآت الصناعية والخدمية الممتدة على المسار نشاطًا اقتصاديًا يتجاوز مجرد تحصيل رسوم العبور.
وتضع الورقة للمشروع خريطة أولية: التابلاين من السعودية عبر الأردن وسوريا إلى بانياس، وكركوك-بانياس لنقل النفط العراقي، والغاز القطري عبر السعودية والأردن وسوريا إلى تركيا، وفرع من خط الغاز إلى بانياس، ثم شبكة قطارات مزدوجة سريعة تربط تركيا بالخليج عبر سوريا.
لكن المقترح لا يقوم على إصلاح الأنبوب القديم وإعادته إلى الخدمة؛ إذ ترى الورقة أن عمره وحالته وقطره تجعل ذلك غير عملي. والفكرة هي استخدام الممر التاريخي نفسه لبناء خطوط حديثة متوازية تنتهي في بانياس، مع محطات للضخ والتخزين والقياس وأنظمة للحماية الرقمية.
وتطرح الورقة طاقة مستهدفة يمكن أن تصل في سقفها الإستراتيجي إلى 7-10 ملايين برميل يوميًا، وهو حجم يحتاج إلى عدة خطوط متوازية ومنظومة ضخ ضخمة.
لكنها تنبه إلى أن هذا الرقم ينبغي التعامل معه بوصفه سقفًا إستراتيجيًا لا طاقة مثبتة الجدوى بالفعل. فالقرار يتطلب أولًا التزامات من المنتجين، ومقارنة تكلفة نقل البرميل عبر سوريا بالمسارات البحرية وبخط شرق-غرب السعودي، واختبار قدرة بانياس على استقبال الناقلات وتخزين الخامات المختلفة دون خلط يؤثر في قيمتها التجارية.
ولا تقصر الورقة التابلاين الجديد على النفط السعودي؛ إذ تشير إلى أن مؤسسة البترول الكويتية كانت تجري محادثات بشأن مسارات محتملة لتصدير النفط الكويتي، ومنها إمكان الربط بمسار التابلاين عبر السعودية والأردن وسوريا. ومن هنا يمكن، في تصور الباحث، أن يصبح الخط منفذًا خليجيًا وليس سعوديًا فقط.
كركوك-بانياس.. العراق يعود إلى المتوسط
المسار الثاني يعيد إلى الواجهة خط كركوك-بانياس، الذي بني بين عامي 1950 و1952 وأغلق عام 1982.
وتشير الورقة إلى أن الخط القديم، الذي بلغت سعته نحو 300 ألف برميل يوميًا، أصبح متهالكًا، ولذلك لا تقوم الفكرة على تشغيله بطاقته القديمة، وإنما بناء شبكة من الخطوط المتوازية يمكن أن تضخ ما بين 2 و3 ملايين برميل يوميًا باتجاه المتوسط.
وهنا لا تقف الورقة عند مشروع افتراضي بالكامل؛ إذ تشير إلى توقيع مذكرتي تفاهم في 17 يوليو/تموز 2026 لتأهيل وإعادة إحياء خط نقل النفط الخام كركوك-بانياس، بين رئيس الشركة السورية للبترول وممثلين عن ائتلاف شركات دولية، من بينها شيفرون و”يو سي سي هولدينغ” و”تي آي كابيتال”، بهدف إعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الأسس التنفيذية للمشروع.
ووصول التابلاين وكركوك-بانياس معًا إلى بانياس، في تصور الورقة، يمنح الميناء قيمة أكبر، ويوفر للمشترين أنواعًا متعددة من الخامات، ويمنح العراق منفذًا إضافيًا يقلل تركيز صادراته في الخليج وتركيا.
لكن الباحث يؤكد هنا أيضًا فلسفة المشروع الأساسية: بانياس ليست بديلًا يلغي البصرة أو جيهان؛ وإنما منفذ تكميلي يزيد مرونة المنتجين وقت الأزمات ويحسن قدرتهم التفاوضية.
الغاز القطري إلى أوروبا عبر سوريا

المكون الثالث يعيد طرح مشروع خط الغاز القطري.
وتعود الورقة إلى عام 2009، عندما طرحت فكرة إنشاء خط يربط حقل الشمال القطري بأوروبا. وتشير إلى أن الحقل يحتوي على نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي غير المصاحب، وتبلغ مساحته نحو 9700 كيلومتر مربع، منها 6000 كيلومتر مربع في المياه القطرية، وتصفه بأنه أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم.
والمسار المقترح ينقل الغاز القطري عبر السعودية والأردن وسوريا، ثم إلى تركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
لكن الورقة تضيف عنصرًا تعتبره أساسيًا: ألا يكون المسار التركي هو المنفذ الوحيد، وإنما يمتد فرع إلى بانياس.
وهنا تصبح أمام الغاز القطري بوابتان: خط أنابيب إلى تركيا وأوروبا، ومنشآت على الساحل السوري تسمح بتسييل الغاز وشحنه بحرًا إلى أسواق متعددة.
لكن بانياس لكي تؤدي هذه الوظيفة تحتاج إلى بنية لم تتوافر بمجرد وجود الميناء: وحدات لمعالجة الغاز وتسييله، وخزانات مبردة، وأرصفة تحميل متخصصة، وطاقة كهربائية ومائية كبيرة، وأنظمة سلامة صارمة.
وتقترح الورقة طاقة قصوى للمشروع تبلغ نحو 30 مليار متر مكعب سنويًا، تعادل قرابة 22 مليون طن من الغاز المسال.

لماذا لا يكفي الطريق التركي؟
تقارن الورقة المشروع بمشروع “نابوكو” الذي كان يستهدف نقل الغاز من بحر قزوين والشرق الأوسط عبر تركيا وبلغاريا ورومانيا والمجر إلى النمسا. وتشير إلى أن طول نابوكو كان يبلغ نحو 3300 كيلومتر، مقابل نحو 2000 كيلومتر لمسار الغاز القطري إلى سوريا وبانياس.
كما تلفت إلى وجود “ترك ستريم” الذي ينقل الغاز الروسي إلى تركيا بطاقة تبلغ 32 مليار متر مكعب سنويًا.
وإذا أضيف إليه الخط القطري-التركي المقترح، فإن تركيا يمكن أن تتحول إلى عقدة تجمع ما يصل إلى 62 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا في ممر واحد.
وهنا تظهر، في منطق الورقة، مفارقة خطرة: إذا كان الهدف من المشروع التخلص من التركيز المفرط في هرمز، فلا ينبغي بناء اختناق جديد في تركيا.
ولهذا تصف الورقة بانياس بأنها “صمام أمان الطاقة الإستراتيجي” للمشروع: يتفرع الغاز عند وصوله إلى سوريا، قسم نحو تركيا وأوروبا، وقسم نحو بانياس للتسييل والتصدير بحرًا.
“+1”.. قطار للطاقة والغذاء والتجارة
لا يتعلق المكون الخامس بأنابيب النفط والغاز، وإنما بشبكة سكك حديدية تربط شمال السعودية بالأردن وسوريا ثم تركيا، وتخدم الشحن والمنتجات سريعة التلف والركاب.
وتقترح الورقة قطارًا سريعًا بسرعة تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة، يمكن ربطه داخل سوريا بدرعا ودمشق وحمص وحلب ودير الزور والمناطق الصناعية والموانئ، مع إعادة تأهيل سكة الحجاز حيث يكون ذلك ممكنًا وعمليًا.
ويظهر هنا بعد مختلف للمشروع هو الأمن الغذائي الخليجي.
فالباحث يقترح ممرًا آمنًا للغذاء بين سوريا والسعودية ودول الخليج، يسمح بالزراعة التعاقدية الموجهة إلى الأسواق الخليجية، ويضم مراكز للفرز والتوضيب ومختبرات للجودة وسلاسل تبريد وتخليصًا جمركيًا وصحيًا مسبقًا.
والهدف هو تقليل زمن وصول الخضراوات والفواكه السورية والتركية إلى الخليج، والحد من التلف وتقلب الأسعار، مع إيجاد حمولة عكسية من الخليج إلى الشمال حتى لا تعود القطارات فارغة.
وبهذا يتحول مشروع تجاوز مخاطر هرمز من قضية نفط وغاز إلى مشروع يشمل الطاقة والتجارة والأمن الغذائي.
من الخليج إلى “البحار الأربعة”
تربط الورقة “4+1” برؤية “البحار الأربعة” التي طرحها رئيس الوزراء التركي الأسبق عبد الله غول عام 2004، والهادفة إلى وصل الخليج العربي ببحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط عبر شبكات الطاقة والنقل والتجارة.
ويرى الباحث أن “4+1” يمكن أن يمنح هذه الرؤية عمودًا جنوبيًا يبدأ من الخليج والسعودية والعراق، ويمر بسوريا، ثم يتفرع نحو المتوسط وتركيا.
وعندئذ تتحول الفكرة من خريطة واسعة إلى شبكة عقد فعلية: بقيق وكركوك للإنتاج، والأردن وسوريا للعبور، وبانياس واللاذقية وطرطوس وإسكندرون للوصول البحري، وتركيا للاتصال بالبحر الأسود وأوروبا والقوقاز.
وتخص الورقة ميناء إسكندرون بأهمية للصناعة الحلبية بسبب قربه من حلب، وتقترح تسهيل وصول الشاحنات السورية إليه، بل إنشاء خط حديدي بين منطقة الشيخ نجار الصناعية والميناء.
ولا ترى في ذلك منافسة للموانئ السورية؛ لأن فلسفة المشروع تقوم أصلًا على تعدد المخارج: بانياس للطاقة، واللاذقية وطرطوس للحاويات والبضائع، وإسكندرون منفذ إضافي للصناعة الحلبية.

وهل يدخل “4+1” في ممر الهند وأوروبا؟
تذهب الورقة خطوة أخرى ببحث علاقة المشروع بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي أعلن عنه في قمة مجموعة العشرين عام 2023.
ويمكن، وفق التصور المطروح، للمسار السعودي-الأردني-السوري-التركي أن يصبح فرعًا شماليًا أو مسارًا مكملًا لذلك الممر، بحيث تقدم سوريا خيارين: الوصول مباشرة إلى المتوسط، أو مواصلة الرحلة برًا إلى تركيا وأوروبا.
لكن الورقة تتحفظ هنا بوضوح؛ إذ تعتبر الحديث عن الدمج الرسمي في الممر الاقتصادي الهندي-الأوروبي مبكرًا، لأن ذلك يحتاج إلى توافق سياسي بين الدول الراعية ودراسات لحركة التجارة، ولا يكفي فيه مجرد التقاطع الجغرافي.
ماذا يكسب الخليج؟
تلخص الورقة مكاسب دول الخليج في المرونة قبل أي شيء آخر.
فالممر السوري لا يلغي هرمز ولا البحر الأحمر، وإنما يضيف إليهما خيارًا ثالثًا يسمح بتحويل جانب من الصادرات إلى المتوسط عند الخطر.
وقد لا يجعل ذلك تكلفة نقل البرميل أرخص في الظروف العادية، لكن قيمته تظهر باعتباره تأمينًا في حالات الطوارئ، مع تقليل التعرض لتقلب تكاليف التأمين والتأخيرات البحرية.
وبالنسبة إلى قطر، يعني المشروع إمكان نقل الغاز عبر الأنابيب وتسييله على المتوسط. وبالنسبة إلى السعودية، يوفر خيارًا إضافيًا لتصدير النفط عبر التابلاين إذا تعطلت المعابر والمضائق، إلى جانب مكاسب الأمن الغذائي الناتجة عن ربط سوريا وتركيا بالأسواق الخليجية.
وتطرح الورقة أيضًا المشروع بوصفه فرصة استثمارية للصناديق السيادية الخليجية، من خلال امتلاك حصص في خطوط النفط والغاز والسكك الحديدية والشحن والموانئ والتخزين والمراكز اللوجستية والمناطق الصناعية والتجارية الممتدة على الممر.
وماذا تكسب سوريا؟
لا تحصر الورقة المكاسب السورية في رسوم عبور الأنابيب والقطارات.
فمرحلة البناء نفسها يمكن أن تولد طلبًا على الإسمنت والحديد والنقل والهندسة، ثم توفر مرحلة التشغيل وظائف في الصيانة والموانئ والسكك والجمارك والتأمين والتمويل.
وتقترح إنشاء مناطق صناعية حول العقد الرئيسية للمشروع لمعالجة النفط والغاز وإنتاج البتروكيماويات والأسمدة وتعبئة الأغذية، حتى لا تتحول سوريا إلى مجرد أرض عبور، وإنما تحصل على قيمة مضافة من النشاط المار بأراضيها.
وتذهب الورقة إلى أن المشروع يمكن أن يخلق مئات الآلاف من فرص العمل للسوريين، وأن شبكة القطارات يمكن أن توسع أسواق الزراعة والصناعة السورية في الخليج.
والرهان الأكبر هو إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي عبر مصالح طويلة الأجل مع الخليج والعراق والأردن وتركيا، تمتد من الطاقة إلى الاتصالات والنقل والتدريب المهني والبنية التحتية.
لكن الورقة لا تعتبر هذه المكاسب نتيجة تلقائية للموقع السوري، وإنما تضع قائمة من الشروط لتحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وتقترح اعتماد سوريا “4+1” إطارًا وطنيًا للدراسة والتفاوض، وإنشاء وحدة مستقلة لإعداد المشروعات تضم خبراء في الطاقة والنقل والتمويل والقانون والبيئة، والاتفاق مع الدول المعنية على دراسة جدوى إقليمية موحدة، والبدء بالمكونات التي تحقق عائدًا مبكرًا ويمكن توسيعها لاحقًا.
كما تدعو إلى حماية بانياس باعتبارها مجمعًا للطاقة، وتصميم شبكة السكك وفق الطلب الحقيقي على الشحن والركاب، واعتماد معاهدة للعبور وآلية للتحكيم، وتخصيص جزء من إيرادات الممر لتنمية المحافظات والصيانة ومعالجة الآثار البيئية.
50 مليار دولار شهريًا.. كلفة الاختناق
تصل الورقة في نهايتها إلى المقارنة التي تستخدمها لتبرير التفكير في مشروع بهذا الحجم.
فهي تقدر أن إغلاق هرمز أمام النفط العربي والغاز القطري يعني تعطل تصدير نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمشتقات، فضلًا عن جانب ضخم من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وتقدر خسائر مجلس التعاون الخليجي الناتجة عن إغلاق المضائق والمعابر بنحو 50 مليار دولار شهريًا، وتذهب إلى أن تكلفة إنشاء منظومة “4+1” بأكملها ـ بما فيها التابلاين وكركوك-بانياس وخط الغاز القطري والسكك الحديدية بين تركيا والسعودية ـ قد تعادل خسائر شهرين إلى خمسة أشهر فقط من إغلاق مضيق هرمز.
ومن هنا تصل الورقة إلى التعبير الذي يلخص فلسفة المشروع كلها: لا ينبغي النظر إلى “4+1” باعتباره بديلًا مطلقًا لمضيق هرمز، وإنما باعتباره “بوليصة تأمين جيو-اقتصادية”.
سوريا من ساحة عبور إلى عقدة إقليمية
تقترح الورقة تمويل المشروع عبر مزيج من الصناديق السيادية العربية، ومن بينها صندوق الاستثمارات العامة السعودي والصناديق السيادية الإماراتية وجهاز قطر للاستثمار، إلى جانب الصندوق السيادي النرويجي، وسندات البنية التحتية طويلة الأجل والصكوك الإسلامية ومؤسسات التنمية الدولية وطرح حصص في الشركات المشغلة.
وفي الخلاصة، تقلب الورقة زاوية النظر إلى أزمة هرمز: فما يمثل محنة لدول الخليج يمكن، وفق تصور الباحث، أن يصبح فرصة لسوريا كي تتحول إلى معبر رئيسي للطاقة الخليجية.
لكن الجغرافيا لا تمنح سوريا هذا الدور تلقائيًا. فالانتقال من الخريطة إلى الواقع يحتاج إلى عقود قابلة للتمويل، ومؤسسات موثوقة، وتنفيذ تدريجي، وشراكة إقليمية تتعامل مع سوريا باعتبارها نقطة وصل لا ساحة تنافس.
وعند تحقق هذه الشروط، يصبح “4+1″، في تصور الورقة، أكثر من شبكة أنابيب: بنية تصل الخليج بالمتوسط وتركيا، وتعيد إحياء فكرة البحار الأربعة على أسس اقتصادية حديثة، وتضيف مسارات احتياطية لمواجهة اضطرابات الطاقة، وتفتح أمام سوريا دورًا في الأمن الغذائي الخليجي وربط أسواق الخليج بالإنتاج السوري والتركي.
وهكذا فإن السؤال الذي تبدأ به الورقة لا ينتهي عند: كيف نتجاوز هرمز؟ بل يصل إلى سؤال أكبر: هل تستطيع سوريا أن تستثمر موقعها لتتحول من دولة تتلقى آثار أزمات الطاقة إلى عقدة تتحرك عبرها طاقة المنطقة وتجارتها وغذاؤها؟



