شتاء 2026–2027 تحت المجهر: هل تمهّد الدوامة القطبية لتحولات جوية قد تصل إلى شرق المتوسط؟

دراسة استشرافية | المركز السوري للطقس والمناخ
مقدمة: ما الذي قد يخفيه الشتاء القادم؟
مع اقتراب شتاء 2026–2027، تتقاطع مجموعة من المؤشرات المناخية والجوية التي تستحق المتابعة، من تطور الغطاء الثلجي في سيبيريا، إلى حالة الدوامة القطبية، مروراً بالتطورات المتوقعة لظاهرة إل نينيو والتغيرات المحتملة في أنماط الضغط الجوي فوق نصف الكرة الشمالي.
هذه العوامل لا تعمل بصورة مستقلة، ولا يمكن لأي منها أن يحدد وحده طبيعة الشتاء المقبل. لكن تفاعلها قد يهيئ ظروفاً جوية مختلفة، تتغير معها مسارات الكتل الهوائية الباردة ومواقع المرتفعات الحاجزة والمنخفضات الجوية، بما قد ينعكس على أجزاء من أوروبا وشرق المتوسط.
من هنا، يبدأ المركز السوري للطقس والمناخ دراسة استشرافية لشتاء 2026–2027، هدفها اختبار السيناريوهات المحتملة، وتحديد المؤشرات التي قد ترفع فرص حدوث تحولات جوية مهمة، مع إيلاء اهتمام خاص لاحتمالات وصول تأثيراتها إلى تركيا وبلاد الشام وسوريا.
أولاً: الدوامة القطبية… العامل الذي قد يغيّر قواعد اللعبة
تُعد الدوامة القطبية الستراتوسفيرية أحد المكونات المهمة في النظام الجوي الشتوي لنصف الكرة الشمالي. وهي منطقة واسعة من الرياح الغربية تدور حول القطب الشمالي في طبقات الجو العليا، وتكون أقوى عادة خلال الشتاء.
عندما تبقى الدوامة قوية ومتماسكة، يمكن أن تساعد على إبقاء جزء كبير من الهواء شديد البرودة متمركزاً في المناطق القطبية. أما عندما تضعف أو تتغير بنيتها، فقد تتبدل أنماط الدوران الجوي، وتزداد في بعض الحالات فرص اندفاع الهواء البارد نحو خطوط عرض أدنى.
وقد تشمل هذه التغيرات استطالة الدوامة أو انقسامها، أو حدوث احترار ستراتوسفيري مفاجئ يؤدي في بعض الحالات إلى تباطؤ الرياح الغربية أو انعكاسها.
لكن هذه العمليات لا تعني تلقائياً أن موجة برد ستصل إلى أوروبا أو الشرق الأوسط. فاستجابة الغلاف الجوي السفلي تختلف من حالة إلى أخرى، كما أن موقع المرتفعات والمنخفضات ومسار التيار النفاث يؤدي دوراً حاسماً في تحديد المناطق التي قد تتأثر.
وعليه، فإن السؤال البحثي ليس ما إذا كانت الدوامة القطبية ستضعف حتماً، بل ما إذا كانت المؤشرات المقبلة ستدعم احتمال اضطرابها، وما السيناريوهات التي يمكن أن تنتج عن ذلك.
ثانياً: الغطاء الثلجي السيبيري… إشارة تستحق الاختبار
يرتبط انتشار الثلوج في سيبيريا خلال أكتوبر بفرضية علمية تبحث في تأثير التبريد السطحي وتطور المرتفع السيبيري على انتقال الطاقة من طبقات الجو السفلى إلى الستراتوسفير، وما قد يترتب على ذلك من تغيرات في الدوامة القطبية.
وقد تناولت دراسة تحليلية حديثة، استعرضها موقع Severe Weather، العلاقة بين سرعة تقدم الثلوج السيبيرية وسلوك التذبذب القطبي خلال 47 شتاءً. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقة لم تكن مستقرة بما يكفي لاستخدامها مؤشراً منفرداً للتنبؤ بالشتاء، خصوصاً في السنوات الأحدث.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ فهي لا تلغي دور الغطاء الثلجي، لكنها تشير إلى أن تأثيره المحتمل يعتمد على عوامل أخرى، وأن وجود إشارة في أكتوبر لا يضمن استجابة محددة للدوامة القطبية بعد أسابيع أو أشهر.
لذلك ستتابع الدراسة تطور الغطاء الثلجي في سيبيريا، مع رصد مؤشرات انتقال الطاقة نحو الستراتوسفير والتغيرات اللاحقة في الرياح ودرجات الحرارة. وسيكون الهدف اختبار ما إذا كانت الإشارات تتجمع في اتجاه واحد، أم تتعارض فيما بينها.
ثالثاً: إل نينيو والخلفية المناخية العالمية
يمثل تطور إل نينيو عاملاً آخر يستحق المتابعة خلال هذا الموسم، نظراً إلى تأثيراته في أنماط دوران الغلاف الجوي وتوزيع الأمطار والحرارة في مناطق مختلفة من العالم.
وقد تتفاعل تأثيرات إل نينيو مع الدورة الجوية الشتوية والدوامة القطبية، لكن هذه العلاقة ليست مباشرة أو ثابتة في جميع المواسم. كما أن قوة التأثيرات ومواقعها تختلف بحسب تطور الحالة المحيطية وبقية العوامل المناخية.
ومن هنا، لا تنطلق الدراسة من افتراض أن إل نينيو سيؤدي بالضرورة إلى شتاء بارد في أوروبا أو سوريا، بل من احتمال أن يسهم، ضمن مجموعة من العوامل المتفاعلة، في تعديل الأنماط الجوية السائدة.
وسيتطلب اختبار هذا الاحتمال متابعة تحديثات مراكز المناخ العالمية، ومقارنة التوقعات الموسمية بالتغيرات الفعلية في المحيط الهادئ والدوران الجوي خلال الخريف والشتاء.
رابعاً: أين يمكن أن تتجه الكتل الهوائية الباردة؟
إذا شهدت الدوامة القطبية اضطراباً ملحوظاً، فإن السؤال التالي سيكون متعلقاً بتوزيع التأثيرات على المناطق المختلفة من نصف الكرة الشمالي.
فاندفاع الهواء البارد لا يتبع مساراً واحداً في جميع الحالات، وقد تتباين الاستجابة بين أمريكا الشمالية وأوروبا وشمال آسيا. وفي بعض السيناريوهات، يمكن أن تسمح أنماط الضغط المرتفع والانسدادات الجوية باندفاعات باردة نحو مناطق من أوروبا، بينما تبقى مناطق أخرى أكثر دفئاً من المعدل.
وبالنسبة إلى شرق المتوسط، فإن المسار الذي يستحق المتابعة هو احتمال تشكل أخدود علوي بارد يمتد من شرق أوروبا أو البلقان باتجاه تركيا وبلاد الشام. غير أن تحقق هذا المسار يحتاج إلى توافر بنية مناسبة للضغط الجوي والتيار النفاث، ولا يكفي وحده حدوث ضعف في الدوامة القطبية.
كما ينبغي التمييز بين وصول كتلة هوائية باردة وبين حدوث حالة مطرية قوية. فالأمطار الغزيرة في سوريا تحتاج، إلى جانب الظروف الحرارية الملائمة، إلى رطوبة كافية وآلية رفع جوي مناسبة، مثل مرور منخفض أو تشكل حالة من عدم الاستقرار.
خامساً: ماذا قد تعني هذه السيناريوهات لسوريا؟
تمثل سوريا المحطة الإقليمية الأهم في هذه الدراسة. وسنبحث ما إذا كانت التحولات المحتملة في الدورة الجوية الشتوية قد ترفع فرص حدوث واحد أو أكثر من السيناريوهات التالية:
- اندفاعات باردة نحو سوريا، تختلف شدتها ومدتها بحسب مسار الكتل الهوائية.
- فترات أكثر برودة من المعتاد، إذا تكررت الأنماط الجوية المناسبة أو استمرت لفترات طويلة.
- حالات من عدم الاستقرار وهطولات مطرية غزيرة، عندما تتوافر الرطوبة والديناميكية الجوية اللازمة.
- تساقطات ثلجية على المرتفعات السورية، تبعاً لتزامن البرودة الكافية مع الهطول.
وستشمل المتابعة مختلف المناطق السورية، من الساحل والجبال الغربية إلى المناطق الداخلية والشمالية والشرقية والجنوبية، لأن تأثير أي حالة جوية قد يختلف بوضوح بين منطقة وأخرى.
ولا تفترض الدراسة أن جميع هذه الاحتمالات ستتحقق، أو أنها ستحدث بالترتيب نفسه. بل ستختبر كل سيناريو وفق المؤشرات التي تظهر خلال الموسم، مع التمييز بين الإشارات العامة بعيدة المدى والتوقعات الجوية الأكثر تفصيلاً عندما تقترب الحالات المحتملة.
سادساً: كيف سنختبر الفرضيات خلال الأسابيع المقبلة؟
ستعتمد الدراسة على متابعة مجموعة من المؤشرات المترابطة، تشمل:
- الدوامة القطبية الستراتوسفيرية: سرعة الرياح الغربية، ودرجات الحرارة، وتغير بنية الدوامة، واحتمالات حدوث احترار ستراتوسفيري مفاجئ.
- الغطاء الثلجي السيبيري: تطور امتداد الثلوج خلال الخريف، ومقارنته بالمعدلات المعتادة وبالإشارات الستراتوسفيرية اللاحقة.
- مؤشرات الدوران الجوي: تطور التذبذب القطبي AO والتذبذب الأطلسي الشمالي NAO، ومواقع المرتفعات الحاجزة والضغط عند مستوى 500 هكتوباسكال.
- التوقعات الموسمية والعالمية: مقارنة مخرجات المراكز العالمية، ومنها ECMWF، مع الانتباه إلى اختلاف السيناريوهات بين أعضاء التجميع وعدم التعامل مع مخرج واحد باعتباره نتيجة مؤكدة.
- المسار الإقليمي: رصد مدى ظهور إشارات متوافقة على امتداد البلقان وتركيا وشرق المتوسط، ثم تقييم انعكاسها المحتمل على سوريا.
وستكون المقارنة بين التحديثات المتعاقبة مهمة بقدر أهمية قراءة كل تحديث على حدة؛ فاستمرار الإشارة واتفاق النماذج عليها يمنحانها وزناً أكبر من ظهور عابر قد يتغير بعد أيام.
خلاصة الدراسة: احتمالات مفتوحة وشتاء يستحق المتابعة
تشير المؤشرات التي نناقشها إلى وجود أسئلة علمية مهمة بشأن تطور شتاء 2026–2027، لكنها لا تسمح حتى الآن باختزال الموسم في سيناريو واحد. فالعلاقة بين الغطاء الثلجي السيبيري والدوامة القطبية ليست حتمية، وتأثير إل نينيو يعتمد على تفاعله مع بقية أنماط المناخ والدوران الجوي.
ومع ذلك، فإن متابعة هذه العوامل مجتمعة قد تساعد على تحديد الفترات التي ترتفع خلالها احتمالات حدوث تحولات جوية مهمة، وعلى تقييم ما إذا كانت بعض المسارات الجوية قد تتيح وصول موجات باردة أو حالات مطرية مؤثرة إلى شرق المتوسط وسوريا.
سيواصل المركز السوري للطقس والمناخ متابعة التحديثات والنماذج العددية والإشارات المناخية العالمية، والعمل على تحديث هذه الدراسة بصورة دورية وفقاً للتغيرات التي تطرأ على المعطيات، وتطور المؤشرات، ومدى اتساق السيناريوهات المحتملة. وستظل الاستنتاجات قابلة للمراجعة والتعديل كلما توفرت معلومات أحدث وأكثر وضوحاً، في إطار دراسة بحثية تستكشف الاحتمالات ولا تتعامل معها بوصفها نتائج محسومة.



