دراسة جديدة تقلب المفاهيم السابقة.. علماء يحذرون من أن العواصف الشمسية قد تكون أقوى بكثير مما كان يُعتقد

دمشق – المركز السوري للطقس والمناخ
كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Nature، وقادها باحثون من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا (NASA Goddard Space Flight Center)، أن العواصف الشمسية الشديدة قد تكون أكثر قوة وتأثيرًا على الأرض مما افترضه العلماء لعقود، وهو ما يثير مخاوف جديدة بشأن سلامة الأقمار الصناعية وشبكات الكهرباء وأنظمة الملاحة والاتصالات العالمية.
وتطعن الدراسة في فرضية علمية استمرت لعقود، كانت تشير إلى وجود حد أقصى طبيعي لاستجابة المجال المغناطيسي للأرض للعواصف الشمسية الكبرى. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذا “السقف” قد لا يكون موجودًا أساسًا، وأنه نتج عن محدودية البيانات التاريخية المستخدمة في الدراسات السابقة، وليس عن وجود حد فيزيائي حقيقي.
ما الذي اكتشفه العلماء؟
اعتمد فريق البحث على إعادة تحليل أكثر من مليون قياس للعواصف الجيومغناطيسية باستخدام نماذج إحصائية حديثة، وتوصل إلى أن ما كان يُعتقد سابقًا بأنه تشبع في شدة استجابة الأرض للعواصف هو في الواقع انحياز إحصائي ناتج عن ندرة تسجيل الأحداث الشمسية المتطرفة.
ويعني ذلك أن الأرض قد تستجيب لعاصفة شمسية مستقبلية بصورة أعنف بكثير مما كانت تتوقعه النماذج السابقة، وهو ما قد يرفع مستوى المخاطر على الأنظمة التقنية التي يعتمد عليها العالم اليوم.
ما هي العواصف الشمسية؟
العواصف الشمسية هي اضطرابات تنشأ نتيجة انفجارات هائلة على سطح الشمس، مثل التوهجات الشمسية (Solar Flares) والانبعاثات الكتلية الإكليلية (Coronal Mass Ejections – CMEs)، التي تطلق كميات ضخمة من البلازما والجسيمات المشحونة نحو الفضاء.
وعندما تصطدم هذه الجسيمات بالمجال المغناطيسي للأرض، تنشأ ما يعرف بالعواصف الجيومغناطيسية، التي قد تؤثر في البنية التحتية الفضائية والأرضية إذا بلغت مستويات شديدة.
لماذا يثير هذا الاكتشاف القلق؟
قبل عقود، كان تأثير العواصف الشمسية يقتصر غالبًا على شبكات التلغراف وبعض أنظمة الاتصالات، أما اليوم فأصبح العالم يعتمد بصورة شبه كاملة على منظومات حساسة قد تتأثر مباشرة بالطقس الفضائي.
ومن أبرز القطاعات المهددة:
- الأقمار الصناعية للاتصالات والاستشعار عن بعد.
- أنظمة الملاحة العالمية (GPS وGNSS).
- شبكات الكهرباء ذات الجهد العالي.
- الاتصالات اللاسلكية والطيران.
- البعثات الفضائية ورواد الفضاء.
- بعض الخدمات المصرفية والتوقيت العالمي التي تعتمد على الأقمار الصناعية.
هل يمكن أن يتكرر “حدث كارينغتون”؟
يعيد هذا البحث إلى الواجهة الحديث عن حدث كارينغتون عام 1859، وهو أقوى عاصفة شمسية موثقة في التاريخ، إذ تسببت آنذاك في تعطل شبكات التلغراف وظهور الشفق القطبي في مناطق غير معتادة.
ويرى الباحثون أن وقوع حدث مماثل في العصر الحديث قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في أنظمة الطاقة والاتصالات والأقمار الصناعية، مع خسائر اقتصادية قد تبلغ مئات المليارات أو حتى تريليونات الدولارات، بحسب تقديرات دراسات سابقة. إلا أن الدراسة الجديدة لا تقول إن مثل هذا الحدث وشيك، بل تؤكد أن التأثير المحتمل قد يكون أكبر مما كانت النماذج السابقة تتوقعه.
هل نحن أمام خطر وشيك؟
يشدد الباحثون على أن نتائج الدراسة لا تعني أن الأرض ستتعرض قريبًا لعاصفة شمسية كارثية، وإنما تعني أن نماذج تقييم المخاطر قد تكون قللت من تقدير شدة الأحداث النادرة.
ويؤكد العلماء أن النشاط الشمسي يخضع لدورات طبيعية تمتد لنحو 11 عامًا، وأن معظم العواصف التي تصل إلى الأرض تكون ضعيفة أو متوسطة ولا تسبب سوى اضطرابات محدودة، مثل تحسين فرص مشاهدة الشفق القطبي أو التأثير المؤقت في بعض الاتصالات.
لكن في حال وقوع عاصفة استثنائية، فإن آثارها قد تكون أوسع مما كان يُعتقد سابقًا، وهو ما يستدعي تعزيز أنظمة المراقبة والإنذار المبكر.
دعوة لتعزيز الاستعداد
يرى خبراء الطقس الفضائي أن نتائج الدراسة تؤكد الحاجة إلى تطوير أنظمة أكثر قدرة على التنبؤ بالنشاط الشمسي، وتحسين حماية الأقمار الصناعية وشبكات الكهرباء، ووضع خطط طوارئ للبنية التحتية الحساسة.
وتواصل وكالات مثل ناسا وNOAA ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA) مراقبة الشمس على مدار الساعة عبر أقمار صناعية متخصصة، بهدف رصد أي انفجارات أو انبعاثات قد تؤثر في الأرض، وإصدار تحذيرات مبكرة تسمح باتخاذ إجراءات وقائية قبل وصول الجسيمات الشمسية.



