جاري تحميل الطقس...

كوارث طبيعية

أمريكا اللاتينية ترفع جاهزيتها لمواجهة النينيو.. خطط استباقية تحسبًا لموجات حر وجفاف وفيضانات

دمشق – المركز السوري للطقس والمناخ

بدأت حكومات عدة في أمريكا اللاتينية تنفيذ خطط استباقية واسعة استعدادًا لتأثيرات ظاهرة النينيو (El Niño)، في ظل تحذيرات متزايدة من خبراء المناخ والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية من احتمال تصاعد آثار الظاهرة خلال الأشهر المقبلة، وما قد يصاحبها من موجات حر شديدة، وجفاف، وحرائق غابات، وفيضانات في مناطق أخرى من القارة.

وتؤكد أحدث التقييمات المناخية أن النينيو دخل بالفعل مرحلة النشاط، مع توقعات باستمرار تطوره خلال النصف الثاني من العام، الأمر الذي دفع العديد من الحكومات إلى تعزيز خطط الطوارئ قبل وصول ذروة التأثيرات المناخية.

استعدادات واسعة في دول القارة

أعلنت عدة دول، من بينها البرازيل وكولومبيا والإكوادور وبيرو وبنما وكوستاريكا، عن إجراءات تهدف إلى الحد من الخسائر المحتملة، شملت تعزيز قدرات فرق الإطفاء، وتأمين مصادر المياه، ورفع جاهزية شبكات الطاقة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، إضافة إلى مراجعة خطط الاستجابة للكوارث الطبيعية.

وفي البرازيل، جرى تعزيز إمكانات مكافحة حرائق الغابات مع نشر آلاف العناصر والمعدات تحسبًا لموسم قد يشهد نشاطًا أكبر للحرائق نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي. أما في الإكوادور، فتركزت الجهود على تحسين إدارة مخاطر الفيضانات وحماية البنية التحتية في المناطق الأكثر تعرضًا للأمطار الغزيرة. كما تعمل بنما على الاستعداد لاحتمال انخفاض كميات الأمطار وتأثير ذلك على الموارد المائية وحركة الملاحة في قناة بنما، في حين توسع بيرو شبكات الرصد المناخي والبحري لمراقبة تطور الظاهرة بصورة أكثر دقة.

ما هي ظاهرة النينيو؟

النينيو هو أحد أطوار ظاهرة التذبذب الجنوبي – النينيو (ENSO)، وينتج عن ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى تغيرات واسعة في أنماط الرياح والدوران الجوي، وينعكس على توزيع الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم.

ورغم أن الظاهرة تتشكل فوق المحيط الهادئ، فإن تأثيراتها تمتد إلى معظم القارات عبر ما يعرف بـ”الروابط المناخية”، فتسبب جفافًا في بعض المناطق، بينما تزيد من احتمالات الفيضانات والعواصف في مناطق أخرى.

لماذا تثير النينيو هذا القلق؟

تاريخيًا، ارتبطت سنوات النينيو القوية بخسائر اقتصادية وبيئية كبيرة في أمريكا اللاتينية.

ففي بعض الدول يؤدي انخفاض الأمطار إلى تراجع مخزون السدود ونقص المياه المخصصة للشرب والزراعة، كما تتزايد احتمالات اندلاع حرائق الغابات وتراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية.

وفي المقابل، تشهد مناطق أخرى أمطارًا استثنائية قد تؤدي إلى فيضانات وانهيارات أرضية، مسببة أضرارًا بالبنية التحتية وشبكات النقل والمناطق الزراعية.

تداعيات اقتصادية محتملة

يحذر اقتصاديون من أن أي نينيو قوي قد ينعكس على اقتصادات المنطقة، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالمناخ مثل الزراعة والطاقة والثروة السمكية.

وقد يؤدي انخفاض إنتاج المحاصيل أو تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الغذاء والطاقة، بينما تواجه الحكومات ضغوطًا إضافية لتمويل عمليات الإغاثة وإصلاح الأضرار. كما أشارت تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن بعض اقتصادات أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها كولومبيا، قد تكون أكثر عرضة للتأثر إذا تطورت الظاهرة إلى مستويات قوية.

أهمية الاستعداد المبكر

يرى خبراء المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن النينيو يختلف عن الكوارث المفاجئة مثل الزلازل أو الأعاصير، إذ يتطور تدريجيًا على مدى عدة أشهر، وهو ما يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية تقلل من حجم الخسائر.

وتشمل هذه الإجراءات حماية الفئات الأكثر هشاشة، وتأمين مصادر بديلة للطاقة، وتعزيز جاهزية أنظمة المياه والصحة، وتطوير شبكات الرصد والإنذار المبكر، بما يسمح باتخاذ قرارات سريعة عند تغير الظروف الجوية.

هل ستتأثر جميع دول أمريكا اللاتينية بالطريقة نفسها؟

الإجابة هي لا.

فالنينيو لا ينتج نمطًا موحدًا من التأثيرات، إذ تختلف انعكاساته من دولة إلى أخرى تبعًا للموقع الجغرافي وطبيعة التضاريس وأنماط الدوران الجوي المحلية.

فبينما قد تواجه مناطق من شمال أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى ظروفًا أكثر جفافًا وحرارة، قد تشهد مناطق أخرى زيادة في الأمطار واحتمال حدوث فيضانات، وهو ما يجعل التخطيط المحلي المبني على التوقعات الموسمية أمرًا ضروريًا.

نظرة مستقبلية

تشير التوقعات الحالية إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شدة ظاهرة النينيو ومدى تأثيرها على أمريكا اللاتينية والعالم. ولهذا السبب، تواصل الحكومات وهيئات الأرصاد متابعة تطور درجات حرارة المحيط الهادئ والمؤشرات المناخية المرتبطة بها، مع التأكيد على أن الاستعداد المبكر يظل الوسيلة الأكثر فاعلية لتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.

ومع ازدياد تكرار الظواهر الجوية المتطرفة في السنوات الأخيرة، يرى خبراء المناخ أن الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وإدارة الموارد المائية، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع التقلبات المناخية، أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد إجراء احترازي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى