مشكلة نهر دجلة.. أكثر من 500 مصدر ملوث ومخاوف صحية واقتصادية

على ضفاف نهر دجلة في العاصمة بغداد، كان صاحب زورق صغير يراقب المياه ويشير إلى النفايات على ضفة الشاطئ قائلاً إن النهر الذي عاش منه سنوات طويلة لم يعد كما كان.
يقول الرجل، الذي يعمل في نقل المتنزهين بين ضفتي النهر من منطقة الشواكة إلى المتنبي وبالعكس إن تغير لون المياه والروائح المنبعثة منها أصبحا مشهدا متكررا، وإن الحديث عن التلوث بات جزءاً من أحاديث الناس اليومية على ضفاف دجلة التي تغنى بها الشعراء.
ومع تصاعد المخاوف من موجات التلوث التي شهدها النهر خلال الفترة الأخيرة، تتباين الروايات بشأن أسبابها وحجم آثارها، فيما تتفق الجهات الرسمية والخبراء على أن المشكلة ليست جديدة، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات.
أكثر من 500 مصدر
معاون مدير هيئة تشغيل مشاريع الري والبزل في وزارة الموارد المائية، غزوان السهلاني أوضح للجزيرة نت أن التلوث الذي شهده نهر دجلة خلال الفترة الأخيرة ناتج عن طرح مياه الصرف الصحي وبعض المبازل في نهر ديالى، مشيراً إلى أن ارتفاع مناسيب المياه في السدود والخزانات الواقعة على النهر، ومنها سدا دربندخان وحمرين، بفعل الأمطار في دول المنبع وداخل العراق، أدى إلى إطلاقات مائية كبيرة دفعت الملوثات باتجاه نهر دجلة.
وكشف غزوان عن وجود أكثر من 500 مصدر تلوث في نهري دجلة والفرات، تتبع لعدد من المؤسسات التابعة لوزارات الصحة والنفط والصناعة، إضافة إلى أمانة بغداد ودوائر المجاري، مؤكداً أن مصادر التلوث تمتد على طول مجرى دجلة والفرات من الحدود العراقية وصولاً إلى محافظة البصرة.
وأوضح أن وزارة الموارد المائية اتخذت جملة من الإجراءات للحد من آثار التلوث، من بينها زيادة الإطلاقات المائية من سد سامراء وسدة الكوت وفروعها لتخفيف تركيز الملوثات وتسريع مرورها، فضلا عن إبلاغ دوائر الماء والحكومات المحلية باحتمال وصول موجات تلوث لاتخاذ التدابير اللازمة وتأمين خزين مائي قبل وصولها.
وبين غزوان أن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية التخصيصات المالية اللازمة لإنشاء وتطوير محطات معالجة مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تأخر تنفيذ عدد من مشاريع المعالجة والتوسعة، مؤكداً أن الوزارة أقامت دعاوى قضائية وخاطبت الجهات المعنية مراراً للحد من مصادر التلوث.

معالجة غير مكتملة
من جانبه، كشف المتحدث باسم أمانة بغداد، محمد الربيعي للجزيرة نت، عن استمرار التحديات المرتبطة بمعالجة مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والطبية التي تصب في نهر دجلة، مؤكداً أن معالجة هذه المشكلة تتطلب مشاريع إستراتيجية طويلة الأمد وتمويلا كبيرا.
وأوضح أن دائرة مجاري بغداد تعمل حالياً على تنفيذ مشروع لإنشاء 17 وحدة مدمجة لمعالجة المياه العادمة (Compact Units)، إلا أن خمس وحدات فقط دخلت الخدمة حتى الآن، فيما لا تزال الوحدات المتبقية قيد التنفيذ. وأشار إلى أن هذه المشاريع تهدف إلى تقليل كميات المياه الملوثة التي تصل إلى نهر دجلة، ولا سيما في المناطق الواقعة جنوب بغداد.
وكشف عن تنفيذ مشروع جديد في منطقة البوعيثة جنوب بغداد بدعم من منحة يابانية وتمويل من البنك الدولي، مبينا أن كلفة المشروع تبلغ نحو 300 مليار دينار ، ويهدف إلى إنشاء محطة نموذجية متطورة لمعالجة المياه العادمة وفق تقنيات حديثة.
وأكد محمد أن مصادر التلوث لا تقتصر على شبكات الصرف الصحي التابعة للأمانة، بل تشمل أيضاً مخلفات عدد من المؤسسات الحكومية والقطاعات الإنتاجية، ولا سيما معامل الجلود والزيوت والمنظفات، فضلاً عن مخلفات بعض المنشآت النفطية وما تحتويه من دهون وبارافينات ومشتقات نفطية.
وأضاف أن الحكومة تتجه إلى توسيع مشاريع معالجة المياه وإعادة استخدامها لأغراض الزراعة وزيادة المساحات الخضراء ضمن مشروع الحزام الأخضر لبغداد، بما يسهم في تقليل كميات المياه الملوثة المطروحة في نهر دجلة مستقبلا.



