انحسار بحر قزوين.. جزر جديدة تظهر وحيوانات تواجه الخطر

كشفت جزر كانت مغمورة في المياه عن حجم التغير الذي طرأ على بحر قزوين، مع استمرار انحسار مستوياتها بفعل تأثيرات تغير المناخ والنشاط البشري، فيما يهدد تقلص روافدها الطبيعية مستقبل الحيوانات ومنها “فقمة بحر قزوين” النادرة.
وتُعد الأجزاء الشمالية والشمالية الشرقية المحاذية لساحل كازاخستان أكثر قطاعات بحر قزوين ضحالة، إذ يتراوح عمقها عادة بين ثلاثة وستة أمتار، واكتشف الناشطون البيئيون تجمعات من جزر كانت مغمورة تحت الماء، وتم رصد أحدث هذه الجزر قبل أيام قرب جزيرة “كولالي” خلال مسح جوي حديث.
جزر بلا أسماء
وقال المتطوع والناشط البيئي دانييار أكيمجانوف، ضمن الفريق الذي أبلغ عن الاكتشاف، إن الجزيرة التي ظهرت حديثا صغيرة نسبيا، لكنها بعيدة عن أن تكون حالة منفردة.
وأوضح أكيمجانوف أنه خلال الأعوام الأربعة أو الخمسة الماضية وثق عددا من الجزر الجديدة في هذا الجزء من بحر قزوين.
وأضاف أن “الجزيرة التي تظهر في الصورة التي أرسلتها لكم هي الأصغر. هناك جزر جديدة أكبر بكثير”.
ويمتد بعض هذه الجزر بطول يقارب كيلومترا واحدا، وعرض يتراوح بين 200 و300 متر، وقد بدأت الحياة البرية بالفعل تصل إلى اليابسة التي انكشفت حديثا.
وأشار أكيمجانوف إلى أنه شاهد بنفسه خنزيرا بريا على إحدى هذه الجزر، بينما تصل إليها أيضا الذئاب عبر الجليد. وغالبا ما لا تُمنح الجزر الجديدة التي تظهر أسماء.
ويشير معهد كازاخستان لأبحاث بحر قزوين، الذي بدأ عمله في سبتمبر 2025 بعد تأسيسه بتعليمات من الرئيس قاسم جومارت توكاييف، إلى أن من المرجح ظهور مساحات أخرى من اليابسة، إلا أن بعضها لن يتحول إلى جزر دائمة.
ويضيف المعهد: “إن مستقبل كل مساحة تنكشف حديثا يتوقف على تضاريس قاع البحر، والأمواج، والتغيرات في مستويات المياه بفعل الرياح، وما يطرأ لاحقا على ديناميات مستوى بحر قزوين”.
ويمثل ظهور جزر جديدة واحدا من أكثر المؤشرات وضوحا على تحول أوسع نطاقا بكثير: فبحر قزوين يتراجع.
تراجع بحر قزوين
ويُعد بحر قزوين أكبر مسطح مائي مغلق في العالم لا منفذ له إلى البحار. وتحده خمسة بلدان هي: كازاخستان وروسيا وأذربيجان وإيران وتركمانستان. ويأتي أكثر من 80 في المئة من تدفق مياهه النهرية من نهر الفولغا في روسيا.
ويشرح الدكتور سيفان كوريشه، وهو عالم مناخ مائي في جامعة ألاباما نشر عدة دراسات عن بحر قزوين، توازن مياهه بأسلوب مبسط، “يشبه الأمر ميزانا مائيا بسيطا؛ فالمياه الداخلة تأتي من تدفق الأنهار والهطول، بينما يخرج الماء فقط عبر التبخر”.
وبحسب القياسات الآلية، انخفض مستوى بحر قزوين في القطاع الكازاخي من -26.82 متر في عام 1996 إلى -29.27 متر في عام 2025، أي بتراجع قدره 2.45 متر خلال العقود الثلاثة الماضية، وبمعدل يقارب ثمانية إلى تسعة سنتيمترات سنويا.
وتواصل الانخفاض لاحقا؛ إذ يشير معهد كازاخستان لأبحاث بحر قزوين إلى أن متوسط مستوى البحر عند محطة الرصد في جزيرة كولالي بلغ -29.42 متر في يوليو 2026، وهو أدنى مستوى يُسجل خلال كامل فترة الدراسة.
ويعد الجزء الشمالي الشرقي من بحر قزوين، بما في ذلك ساحل إقليم أتيراو في كازاخستان، أكثر عرضة لتراجع مستويات المياه؛ فعمقه يبلغ في المتوسط نحو ستة أمتار مع انحدار لطيف جدا لقاع البحر، ما يعني أن انخفاضا صغيرا نسبيا في مستوى المياه يمكن أن يدفع خط الساحل إلى التراجع لمسافات طويلة.
وبات حجم هذا التراجع مرئيا بالفعل؛ فوفقا لمعهد كازاخستان لأبحاث بحر قزوين، انخفضت المساحة التي تغطيها المياه في الجزء المدروس من بحر قزوين الشمالي الشرقي بين عامي 2000 و2025 بنحو 16.384 كيلومتر مربع.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي حللها المعهد أيضا كيف تغير خط الساحل في الأعوام الأخيرة؛ فبين 2021 و2026، أدى انخفاض مستويات المياه تدريجيا إلى كشف مناطق جديدة من قاع البحر قرب جزيرة كولالي وأرخبيل تيوليني.
توازن بحر قزوين
وشهد بحر قزوين تاريخيا فترات من انخفاض وارتفاع منسوب المياه؛ فمن ثلاثينيات القرن الماضي حتى عام 1977، هبط مستواه بنحو ثلاثة أمتار، ثم عاد ليرتفع خلال العقدين التاليين بنحو 2.5 متر، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة من التراجع.
لكن، ورغم أن تذبذب مستوى بحر قزوين ليس ظاهرة جديدة، يؤكد العلماء أن تغير المناخ والنشاط البشري يؤثران اليوم في توازن مياهه.
وقد ربطت أبحاث سابقة التراجع خلال العقود الأخيرة بشكل أساسي بزيادة التبخر من بحر قزوين مع ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، كما ساهم انخفاض الهطول، وإن بدرجة أقل.
كما يؤثر النشاط البشري في كمية المياه التي تصل إلى البحر؛ فالسدود تنظم الأنهار المتدفقة إليه، وتُستخرج المياه عبر الحوض لأغراض الري واستخدامات أخرى، فضلا عن أن أسلوب إدارة الخزانات يؤثر في كميات المياه النهرية التي تبلغ البحر.
فقمات بحر قزوين
تعاني فقمة بحر قزوين، وهي نوع لا يوجد في أي مكان آخر من العالم، من تراجع حاد في أعدادها؛ إذ انخفض عددها خلال الأعوام المئة الماضية من نحو مليون إلى حوالي 100 ألف.
يزيد تراجع البحر الضغط على هذا النوع عبر تغيير الجزر المنعزلة التي تستخدمها الفقمات كمناطق استراحة موسمية.
وبحسب الباحثة في الفقمات أسيل بايموكانوفا، تقلصت مساحة هذه الجزر التي ترتادها الفقمات أكثر من 15 مرة منذ عام 1995.
في عام 2021، أقامت بايموكانوفا مع باحثين آخرين من معهد الهيدروبيولوجيا والبيئة على جزيرة صغيرة تشكلت حديثا أطلقوا عليها اسم “New Durnev”، وكانت آلاف الفقمات تتجمع عليها. وعندما عادوا في عام 2023، كانت الجزيرة قد اتسعت بشكل كبير، ويمكن الوصول إليها أحيانا بالسيارة، قبل أن ترتبط لاحقا باليابسة.
وقالت بايموكانوفا “بالنسبة للفقمات، أصبحت الجزيرة غير قابلة للوصول؛ فغياب الجزيرة المنعزلة يعني غياب الفقمات.
ومع تراجع البحر، تُدفع الفقمات أيضا باتجاه الغرب؛ إذ ظل بحر قزوين الشمالي الشرقي لفترة طويلة ملاذا طبيعيا لهذه الحيوانات بسبب صعوبة وصول البشر إليه، لكن في المناطق الغربية تواجه الفقمات نشاطا بشريا أكبر، بما في ذلك الصيد والملاحة والسياحة وعمليات النفط والغاز.
ماذا سيحدث؟
تشير معظم سيناريوهات المناخ إلى أن مستوى بحر قزوين سيواصل الانخفاض خلال القرن الـ21، رغم تأكيد العلماء أن حجم هذا التراجع غير محسوم بعد.
وتُظهر أبحاث كوريشه إمكانية انخفاض يصل إلى ثمانية أمتار بحلول نهاية القرن في ظل سيناريو مناخي متوسط، مع اختلافات كبيرة بين النماذج.
وللتوضيح، يقول كوريشه إن انخفاضا قدره خمسة أمتار يمكن أن يكشف نحو 77 كيلومتر مربع من قاع البحر في الجزء الشمالي من بحر قزوين.
ويشير إلى أن بحر قزوين بأكمله لا يواجه سيناريو مشابها لبحر آرال، لأن أحواضه الوسطى والجنوبية أعمق بكثير، لكن أجزاء من بحر قزوين الشمالي الضحل قد تتعرض لجفاف كبير.



