أخبار سوريا

حوض اليرموك يدخل مرحلة الخطر.. الأمن المائي في درعا تحت الضغط فهل يمكن إنقاذ الخزان الجوفي؟

المركز السوري للطقس والمناخ – 25 آب/أغسطس 2026

دقّت محافظة درعا جرس الإنذار بشأن وضعها المائي، بعد أن حذرت من تزايد استنزاف الموارد المائية نتيجة انتشار الآبار غير المرخصة، والتعديات على خطوط نقل وتوزيع المياه، والاستجرار غير المشروع.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه قرى وبلدات في حوض اليرموك تراجعًا في مصادر مياه الشرب، ما دفع إلى زيادة الاعتماد على الآبار والصهاريج، في حين تعمل الجهات المعنية على إجراءات إسعافية وخطة لتنظيم استخدام الموارد المائية.

لكن ما يحدث في درعا لا يمكن اختزاله في مشكلة “آبار مخالفة” فقط. فالأزمة هي نتيجة اختلال متراكم بين كمية المياه التي تدخل إلى الخزان الجوفي وكمية المياه التي يجري سحبها منه، وهو اختلال تفاقم بفعل الجفاف وارتفاع الطلب على المياه والتوسع في الضخ الجوفي.

لماذا تراجعت مياه حوض اليرموك؟

تُعد المياه الجوفية عنصرًا أساسيًا في منظومة المياه في جنوب سوريا، ويشكل حوض اليرموك أحد الأنظمة المائية المهمة في المنطقة.

وخلال السنوات الماضية توسع الاعتماد على الآبار لتأمين مياه الشرب والري، في وقت أصبحت فيه التغذية الطبيعية للخزانات الجوفية أكثر هشاشة نتيجة تراجع الهطولات وتكرار فترات الجفاف.

وتشير تقارير حديثة إلى أن عدد الآبار في درعا ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، مع تقديرات محلية تشير إلى وجود آلاف الآبار غير المرخصة. وفي تقرير حديث، قُدّر عدد الآبار المخالفة في المحافظة بنحو 20 ألف بئر، مقابل نحو 4500 بئر مرخص، مع تسجيل أعماق تتجاوز 500 متر في بعض المناطق.

ولا يعني ذلك أن كل بئر مخالف مسؤول بصورة منفردة عن الأزمة، لكن الحجم الكبير لعمليات الضخ غير المنظم يجعل إدارة الخزان الجوفي أكثر صعوبة، ويزيد خطر تجاوز معدل السحب لقدرة النظام الطبيعي على التعويض.

الينابيع تتأثر أيضًا

المشكلة لا تتوقف عند انخفاض مستويات المياه الجوفية.

ففي حوض اليرموك ترتبط بعض مصادر مياه الشرب بالينابيع ومحطات الضخ التي تعتمد على غزارة المصادر الطبيعية. وقد بدأت الجهات المائية السورية خلال الأشهر الماضية بمراقبة تأثير الآبار القريبة من محطات الإرواء على غزارة الينابيع، فيما حذرت من أن الضخ العشوائي يمكن أن ينعكس على كميات المياه المتاحة للشرب.

وفي تموز/يوليو الماضي، بدأت مؤسسة مياه درعا بتوجيه إنذارات لأصحاب الآبار غير المرخصة في حوض اليرموك لإزالة تجهيزاتها ووقف الضخ العشوائي، في خطوة تستهدف الحد من استنزاف المياه الجوفية وحماية المصادر المغذية لمحطات مياه الشرب.

وهذا التطور مهم، لأن استمرار انخفاض غزارة الينابيع يعني أن المشكلة بدأت تظهر في المصادر السطحية المرتبطة بالخزان الجوفي وليس فقط في أعماق الآبار.

الجفاف جزء أساسي من المشكلة

من الخطأ النظر إلى أزمة درعا بمعزل عن التغيرات المناخية التي أثرت في الموارد المائية السورية خلال العقدين الماضيين.

تحليل حديث لمعهد كارنيغي أشار إلى أن سوريا تعرضت بين عامي 2006 و2021 لثلاث موجات جفاف رئيسية، تسببت في انخفاض يقدّر بنحو 60% في مستويات المياه الجوفية في شمال شرق البلاد، مع تراجع كبير في مصادر المياه التقليدية في مناطق أخرى. ويؤكد التحليل أن تغير المناخ والجفاف وتدهور الأراضي والضغط المتزايد على المياه تعمل معًا على تعميق أزمة المياه في سوريا.

ورغم أن هذه الأرقام تخص بصورة أساسية مناطق في شمال شرق سوريا وليست قياسًا مباشرًا لحوض اليرموك، فإنها توضح حجم الضغوط التي تتعرض لها الأنظمة المائية السورية.

كما تشير دراسات وتقارير متخصصة إلى أن تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة يزيدان الضغط على الموارد المائية، في الوقت الذي يدفع فيه نقص المياه الزراعية إلى مزيد من الاعتماد على المياه الجوفية.

وهنا تتشكل حلقة يصعب كسرها:

جفاف → مياه سطحية أقل → اعتماد أكبر على الآبار → استنزاف المياه الجوفية → انخفاض الينابيع → مياه أقل للزراعة والشرب → ضغط أكبر على الآبار.

هل نحن أمام أزمة مياه مؤقتة أم مشكلة طويلة الأمد؟

المؤشرات الحالية تشير إلى أن المشكلة أبعد من أزمة صيفية عابرة.

فإذا كانت المشكلة مرتبطة فقط بارتفاع الطلب خلال أشهر الصيف، فمن المفترض أن يتحسن الوضع تدريجيًا مع عودة موسم الأمطار.

لكن إذا بقي معدل ضخ المياه الجوفية أعلى من معدل تغذية الخزان، فإن موسمًا مطريًا واحدًا قد لا يكون كافيًا لاستعادة التوازن.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم بقي من المياه في الآبار؟

بل:

هل معدل سحب المياه من حوض اليرموك أكبر من معدل تغذيته الطبيعية؟

وهذا السؤال يحتاج إلى شبكة مراقبة هيدرولوجية مستمرة تشمل مستويات المياه الجوفية، وغزارة الينابيع، وكميات الضخ، والهطولات، ومعدلات التغذية الطبيعية.

ماذا يمكن أن يحدث خلال الأيام والأسابيع المقبلة؟

لا يُتوقع أن تؤدي الأيام القليلة المقبلة وحدها إلى تغيير جذري في وضع الخزان الجوفي.

فالخزانات الجوفية لا تستجيب بسرعة لتغيرات الطقس اليومية، كما أن هطول مطر محدود لا يعني بالضرورة وصول كميات كبيرة من المياه إلى الطبقات الجوفية.

وفي حال استمرار الطقس الحار والجاف خلال الفترة المقبلة، سيبقى الطلب على مياه الشرب والري مرتفعًا، ما قد يضيف ضغطًا على المصادر المتاحة.

أما التحسن الحقيقي فيعتمد على ما سيحدث خلال موسم الأمطار المقبل، وعلى كمية المياه التي ستصل فعلًا إلى مناطق تغذية الخزان، وليس فقط على كمية المطر التي تسقط على المنطقة.

هل إغلاق الآبار المخالفة يكفي؟

لا.

إزالة الآبار غير القانونية خطوة مهمة، لكنها وحدها لا تكفي لإنقاذ حوض اليرموك.

فحتى الآبار المرخصة يمكن أن تصبح جزءًا من المشكلة إذا تجاوزت كميات الضخ الحدود التي يستطيع الخزان تحملها.

الحل يجب أن ينتقل من إدارة كل بئر بصورة منفردة إلى إدارة الحوض المائي بالكامل.

وهذا يتطلب عدة إجراءات متوازية.

أولًا: إنشاء سجل مائي شامل للآبار

يجب تحديد مواقع جميع الآبار باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، وتسجيل أعماقها وغزارتها واستخداماتها وكميات الضخ منها.

وجود خريطة دقيقة للآبار سيكون الخطوة الأولى لمعرفة المناطق الأكثر استنزافًا.

ثانيًا: قياس كميات الضخ

لا يمكن إدارة المياه الجوفية من دون معرفة كمية المياه التي تخرج من الخزان.

لذلك يجب تركيب عدادات على الآبار، خصوصًا الآبار الزراعية والإنتاجية الكبيرة، وربط البيانات بنظام مركزي للمراقبة.

ثالثًا: حماية مناطق تغذية الخزان والينابيع

يجب تحديد المناطق التي تتلقى مياه الأمطار وتعيد تغذية المياه الجوفية، ووضع قيود صارمة على الحفر والضخ في المناطق الحساسة.

كما يجب إعطاء الينابيع ومصادر مياه الشرب حماية خاصة من الضخ المفرط في محيطها.

رابعًا: تغيير نمط الزراعة

الزراعة هي أحد أكبر مستخدمي المياه في المناطق الجافة وشبه الجافة.

ولهذا فإن إنقاذ حوض اليرموك يتطلب التوسع في الري بالتنقيط، وتحسين جدولة الري، وتقليل المحاصيل شديدة الاستهلاك للمياه في المناطق الأكثر إجهادًا.

ومن الأفضل أن ترافق هذه الإجراءات حوافز للمزارعين الذين يخفضون استهلاك المياه، بدل الاعتماد فقط على المنع والعقوبات.

خامسًا: حصاد مياه الأمطار

يمكن أن يكون حصاد مياه الأمطار أحد أهم الحلول طويلة الأمد.

فالبرك الصغيرة والحواجز المائية والمنشآت المناسبة لحجز مياه الجريان السطحي يمكن أن تساعد على تخزين المياه، بينما يمكن تنفيذ مشاريع التغذية الاصطناعية للخزانات الجوفية في المواقع المناسبة بعد إجراء الدراسات الهيدرولوجية اللازمة.

وتشير اليونيسف إلى أن إدارة ندرة المياه تتضمن تحسين كفاءة الشبكات، وإعادة استخدام المياه المعالجة للزراعة، وحصاد مياه الأمطار، وتخزين المياه، والتغذية المدارة للخزانات الجوفية.

سادسًا: تقليل فاقد شبكات مياه الشرب

ليس كل متر مكعب يتم توفيره بحاجة إلى مصدر جديد.

إصلاح التسربات والتعديات على الشبكات قد يوفر كميات كبيرة من المياه دون الحاجة إلى زيادة الضخ من الخزان الجوفي.

وقد بدأت محافظة درعا بالفعل إجراءات لإزالة التعديات عن خطوط المياه، بالتوازي مع إجراءات تتعلق بالآبار غير المرخصة.

ماذا عن الآبار المخالفة التي يعتمد عليها السكان؟

هذه نقطة حساسة.

فإغلاق آلاف الآبار بصورة مفاجئة من دون توفير بدائل قد يؤدي إلى أزمة اجتماعية وزراعية أكبر.

لذلك ينبغي اعتماد خطة انتقالية:

الآبار التي تشكل خطرًا مباشرًا على مصادر مياه الشرب أو الينابيع يجب التعامل معها أولًا، بينما يمكن تقييم بعض الآبار الأخرى علميًا وقانونيًا، وربط استمرار استخدامها بحدود ضخ واضحة وعدادات ومراقبة.

وفي الحالات التي لا يمكن فيها الاستمرار بالضخ، يجب توفير مصدر بديل للسكان والمزارعين قبل الإغلاق النهائي.

الحل الحقيقي: إدارة المياه باعتبارها ثروة غير متجددة

أزمة حوض اليرموك تكشف مشكلة أكبر في إدارة المياه في سوريا.

المياه الجوفية ليست موردًا لا نهائيًا يمكن تعويضه بمجرد حفر بئر أعمق.

كلما انخفضت مستويات المياه، ارتفعت تكلفة الوصول إليها، وزادت الطاقة المطلوبة للضخ، وقد تتراجع غزارة الآبار والينابيع، بينما تصبح الزراعة أكثر كلفة وأقل استقرارًا.

وفي المناطق التي تعاني من الجفاف المتكرر، يصبح الاعتماد المتزايد على المياه الجوفية من دون ضبط عملية السحب أشبه باستخدام مدخرات مائية تراكمت خلال سنوات طويلة.

هل يمكن إنقاذ حوض اليرموك؟

نعم، ولكن بشرط التحرك قبل الوصول إلى مرحلة يصعب فيها استعادة التوازن.

المطلوب ليس مشروعًا واحدًا، بل برنامج متكامل يجمع بين:

وقف الحفر العشوائي + مراقبة الضخ + حماية الينابيع + إصلاح الشبكات + ترشيد الزراعة + حصاد مياه الأمطار + إعادة استخدام المياه المعالجة + مراقبة الخزان الجوفي بصورة مستمرة.

كما يجب أن تتحول البيانات المائية إلى أساس للقرارات، بحيث يتم تحديد كمية الضخ المسموح بها سنويًا وفق كمية التغذية الطبيعية للخزان.

إذا كانت كمية المياه التي تدخل الخزان أقل من كمية المياه التي تخرج منه، فإن أي حل آخر سيكون مؤقتًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى