أخبار سوريا

التطرف المناخي في سوريا.. عندما تصبح الأمطار الشديدة والظواهر المتطرفة خطرًا متزايدًا

مقدمة

لم تعد دراسة المناخ في سوريا تقتصر على معرفة ما إذا كان العام أكثر جفافًا أو أكثر مطرًا من المعتاد. فالمشكلة الأكثر تعقيدًا تكمن في كيفية تغير الظواهر المناخية المتطرفة، ومتى تحدث، وما مقدار شدتها، وأين تتركز، وما الذي يمكن أن تسببه على الأرض.

قد تمر فترة طويلة من الجفاف، ثم تهطل كمية كبيرة من الأمطار خلال فترة زمنية قصيرة وفي مساحة جغرافية محدودة. وقد تكون كمية الأمطار الإجمالية خلال فترة طويلة غير استثنائية، لكن سقوط جزء كبير منها خلال ساعات قليلة يمكن أن يؤدي إلى تجمع المياه، وجريان سطحي سريع، وسيول وفيضانات محلية.

وهنا تكمن إحدى أهم القضايا المناخية التي تواجه سوريا: التطرف لا يعني فقط ارتفاع كمية المطر، بل يمكن أن يرتبط أيضًا بتغير شدة الهطول وتوزعه الزمني والمكاني، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير خصائص فترات الجفاف والهطول.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في بلد يعاني أصلًا من ضعف في جزء كبير من البنية التحتية المائية، وتفاوت كبير في القدرة على التصريف والحماية بين المناطق.

دراسة علمية نشرت عام 2026 في مجلة Climate Dynamics حللت مؤشرات التطرف المناخي في سوريا خلال الفترة 1950–2024 باستخدام بيانات ERA5-Land، ووجدت اتجاهًا واسعًا نحو الاحترار، إلى جانب تغيرات مكانية واضحة في تطرف الهطولات والفترات الجافة، بما يشمل تغيرات في شدة وتكرار مؤشرات الأمطار الغزيرة.


أولًا: ماذا يعني التطرف المناخي في سوريا؟

التطرف المناخي هو خروج أحد عناصر المناخ عن نطاقه المعتاد بدرجة كبيرة، سواء تعلق الأمر بدرجات الحرارة أو الأمطار أو الجفاف أو غيرها من الظواهر.

وفي سوريا يمكن أن يأخذ التطرف عدة أشكال، من أبرزها:

  • موجات الحر الشديدة.
  • ارتفاع درجات الحرارة القصوى والدنيا.
  • تراجع بعض مؤشرات البرودة.
  • فترات الجفاف.
  • الهطولات المطرية الغزيرة.
  • الأمطار شديدة التركيز خلال فترة قصيرة.
  • السيول والفيضانات المفاجئة.
  • العواصف الرعدية الشديدة.
  • البرد والرياح الهابطة المصاحبة لبعض العواصف.

لكن هذه الظواهر لا تحدث بالطريقة نفسها في جميع أنحاء البلاد.

فسوريا تضم الساحل والجبال الغربية والداخل والبادية والجزيرة وحوض الفرات والجنوب، ولكل منطقة تضاريسها وتربتها وغطاؤها النباتي وشبكات تصريفها ودرجة تعرضها للمخاطر.

ولهذا فإن التطرف المناخي في سوريا ظاهرة متعددة الأشكال والمناطق، وليس حدثًا واحدًا يمكن وصفه بالطريقة نفسها في جميع المحافظات.


ثانيًا: ماذا تقول البيانات المناخية طويلة الأمد؟

تكتسب الدراسة المنشورة عام 2026 أهمية خاصة لأنها لا تعتمد على حدث جوي واحد، بل تمتد على 75 عامًا من البيانات، من 1950 حتى 2024.

استخدم الباحثون بيانات ERA5-Land بدقة مكانية تقارب 9 كيلومترات، وحللوا 15 مؤشرًا معتمدًا ضمن منهجية ETCCDI لدراسة تطرف درجات الحرارة والهطولات والفترات الجافة والرطبة.

وأظهرت النتائج اتجاهًا واسعًا ومتسقًا نحو الاحترار في سوريا، مع انخفاض في مؤشرات البرودة وارتفاع في مؤشرات الحرارة القصوى والدنيا.

أما بالنسبة للهطولات، فالصورة أكثر تعقيدًا.

فالدراسة وجدت تباينًا مكانيًا قويًا في تطرف الأمطار، مع تغيرات في حدوث وشدة الهطولات الغزيرة، إلى جانب تغيرات في الفترات الجافة وبنية الفترات الرطبة، خصوصًا بين المناطق المناخية المختلفة.

وهذه نقطة مهمة جدًا:

المناخ السوري لا يتغير بالطريقة نفسها في كل مكان.

لذلك لا يمكن اختزال المسألة في عبارة بسيطة مثل “سوريا أصبحت أكثر مطرًا” أو “سوريا أصبحت أكثر جفافًا”.

الصورة العلمية أكثر تعقيدًا، وتتضمن تغيرات في الحرارة، وفترات الجفاف، وشدة الهطول، وتوزعه المكاني والزمني.


ثالثًا: المشكلة ليست دائمًا في كمية المطر

من أكثر الأخطاء شيوعًا عند تقييم خطر الأمطار التركيز على مجموع الهطول فقط.

هناك فرق كبير بين كمية من المطر تسقط تدريجيًا خلال عدة أيام، وبين الكمية نفسها إذا سقطت خلال فترة قصيرة.

في الحالة الأولى تحصل التربة والمجاري المائية وشبكات التصريف على وقت أطول للتعامل مع المياه.

أما في الحالة الثانية، فقد يتحول جزء كبير من المطر إلى جريان سطحي سريع، خصوصًا في المناطق العمرانية أو على الأراضي شديدة الانحدار أو عندما تكون قدرة التربة على امتصاص المياه محدودة.

ولهذا تعتمد الدراسات المناخية على مؤشرات متخصصة، منها Rx1day الذي يقيس أكبر كمية هطول خلال يوم واحد، وRx5day الذي يقيس أكبر كمية خلال خمسة أيام، إلى جانب مؤشرات أخرى تقيس شدة وتكرار الهطولات.

وقد استخدمت الدراسة الخاصة بسوريا هذه المؤشرات ضمن منهجية ETCCDI، ما يسمح بدراسة التطرف المطري بطريقة أكثر دقة من مجرد حساب مجموع الأمطار السنوي.


رابعًا: عندما تتحول الأمطار الغزيرة إلى سيول وفيضانات

الخطر لا يبدأ بمجرد تسجيل كمية مرتفعة من الأمطار.

المشكلة تظهر عندما تصبح سرعة وصول المياه إلى الأودية والمجاري والمناطق المنخفضة أكبر من قدرة المنطقة على تصريفها أو احتوائها.

عندها يمكن أن تحدث:

  • سيول مفاجئة.
  • غمر الطرق.
  • دخول المياه إلى المنازل.
  • انجراف التربة.
  • انهيار أجزاء من الطرق والجسور.
  • انسداد قنوات التصريف.
  • انجراف المركبات.
  • تضرر الأراضي الزراعية.
  • عزل بعض المناطق والقرى.

وهذه ليست احتمالات نظرية فقط.

ففي 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026 أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية أن فرقها استجابت لتداعيات الأمطار الغزيرة في 34 موقعًا وتجمعًا سكنيًا في حلب وريف إدلب، وشملت الأعمال شفط المياه من المنازل والخيام والمنشآت الحيوية، وفتح الطرق، ومعالجة انهيارات التربة والجدران، وإخراج مركبات عالقة.

وفي آب/أغسطس 2026 سجلت الوزارة 58 استجابة ميدانية في خمس محافظات بسبب حالة عدم استقرار وهطولات غزيرة، شملت غمر منازل وطرق وانجراف تربة وتعطل مركبات وتسليك مصارف وفتح ممرات مائية.

هذه الأحداث توضح شيئًا مهمًا:

الهطول المتطرف يتحول إلى خطر عندما يصطدم ببيئة غير قادرة على تصريف المياه بالسرعة المطلوبة.


خامسًا: المدن السورية أمام خطر متزايد من تجمع المياه

في المناطق العمرانية، تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا.

فالخرسانة والإسفلت والأسطح العمرانية تقلل من قدرة المياه على التغلغل داخل التربة، وتدفع جزءًا أكبر منها نحو المصارف والمناطق المنخفضة.

ولهذا يمكن لعاصفة مطرية قصيرة أن تسبب تجمعات مائية كبيرة حتى لو لم تستمر طويلًا.

ويزداد الخطر عندما تكون شبكات التصريف:

  • محدودة السعة.
  • قديمة أو متضررة.
  • مسدودة بالمخلفات.
  • غير مصممة للهطولات شديدة التركيز.
  • غير مرتبطة بنظام متكامل لتصريف مياه الأمطار.

وهنا تظهر قاعدة أساسية في إدارة المخاطر:

شدة الحدث الجوي ليست وحدها التي تحدد حجم الكارثة؛ هشاشة المكان تحدد أيضًا حجم الضرر.


سادسًا: الزراعة بين الجفاف والهطول الشديد

الزراعة السورية من أكثر القطاعات حساسية للتغيرات المناخية.

ولا تكمن المشكلة فقط في انخفاض الأمطار.

فالهطولات الشديدة خلال فترة قصيرة يمكن أن تؤدي إلى:

  • انجراف الطبقة السطحية الخصبة من التربة.
  • جريان سطحي قوي.
  • غمر بعض الأراضي الزراعية.
  • تضرر المحاصيل.
  • تأخير عمليات الزراعة أو الحصاد.
  • فقدان جزء من التربة الزراعية.

وفي المقابل، تؤدي فترات الجفاف والحرارة المرتفعة إلى زيادة الضغط على المياه والتربة والمحاصيل.

وهنا يظهر أحد أكثر جوانب التطرف المناخي تعقيدًا:

المشكلة ليست فقط في نقص المياه، وإنما في عدم انتظام وصولها أيضًا.


سابعًا: الأنهار والسدود جزء أساسي من معادلة الخطر

ليس من الضروري أن تسقط الأمطار الغزيرة فوق مدينة معينة حتى تتعرض للفيضانات.

فالمياه قد تأتي من أحواض ومناطق أعلى، أو ترتفع مناسيب الأنهار، أو تتجمع خلف السدود والمنشآت المائية.

وقد ظهر هذا الخطر بوضوح في منطقة سد السيحة بريف حلب الجنوبي.

ففي آذار/مارس 2026 انهار جزء من السد الترابي بعد ارتفاع كمية المياه المخزنة عقب هطولات غزيرة، ما أدى إلى تهديد الأراضي الزراعية والمناطق القريبة من مجرى المياه.

وفي نيسان/أبريل حذرت السلطات من مخاطر استمرار ارتفاع المياه خلف السد، بينما كانت فرق الطوارئ تعمل على تدعيم المنشأة وحماية المناطق القريبة.

هذه الحوادث تؤكد أن إدارة التطرف المطري لا يمكن فصلها عن سلامة السدود وإدارة الأحواض المائية ومراقبة مناسيب المياه.


ثامنًا: المخيمات والمناطق الهشة أكثر تعرضًا

لا يتوزع خطر التطرف المناخي بالتساوي بين السكان.

فالمناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية وشبكات الصرف والطرق المناسبة تكون أكثر تعرضًا للأضرار.

ويظهر ذلك بصورة خاصة في المخيمات والتجمعات السكنية المؤقتة.

فعندما تهطل أمطار شديدة، يمكن للمياه أن تدخل الخيام والمساكن المؤقتة بسرعة، بينما تكون قدرة السكان على الانتقال أو حماية ممتلكاتهم محدودة.

ولهذا يجب أن تتضمن إدارة المخاطر المناخية في سوريا بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا، لا أن تقتصر على الأرقام والخرائط.


تاسعًا: المفارقة المناخية السورية.. الجفاف والهطول الشديد

قد يبدو للوهلة الأولى أن الجفاف والأمطار الغزيرة ظاهرتان متناقضتان.

لكن من الناحية المناخية لا يوجد تناقض بالضرورة.

يمكن أن تمر منطقة بفترة جافة، ثم تتعرض لهطول شديد خلال فترة قصيرة.

ولهذا فإن تغير المناخ لا يعني بالضرورة أن سوريا ستصبح ببساطة “أكثر مطرًا” أو “أكثر جفافًا”.

الصورة الأكثر دقة هي أن نظام الهطول نفسه يمكن أن يصبح أكثر تعقيدًا من حيث التوقيت والتوزيع والشدة.

وهذا ما تظهره الدراسة المناخية طويلة الأمد لسوريا، التي وجدت اختلافات كبيرة بين المناطق في مؤشرات الجفاف والهطولات الشديدة.


عاشرًا: ماذا يمكن أن يسبب استمرار التطرف المناخي؟

إذا ازدادت آثار الظواهر المناخية المتطرفة على الأرض، فإن النتائج لا تقتصر على الفيضانات.

يمكن أن تمتد إلى:

المياه

زيادة صعوبة إدارة الموارد المائية عندما تتداخل فترات الجفاف مع هطولات شديدة ومركزة.

الزراعة

ارتفاع مخاطر انجراف التربة وتضرر المحاصيل وتذبذب الإنتاج في بعض المناطق.

البنية التحتية

زيادة الضغط على الطرق والجسور وشبكات الصرف والمنشآت المائية.

المدن

تجمع المياه وتعطل حركة النقل والخدمات.

الأنهار والأودية

ارتفاع خطر السيول المفاجئة عندما تتجمع المياه بسرعة في الأحواض والمنخفضات.

السدود

زيادة أهمية المراقبة المستمرة للسلامة والمناسيب وقدرة المنشآت على التعامل مع التدفقات العالية.

السكان

زيادة المخاطر على المجتمعات الموجودة في المناطق المنخفضة أو الهشة أو التي تفتقر إلى الخدمات.


الحادي عشر: الحل لا يكمن في منع المطر.. بل في الاستعداد له

لا يمكن لسوريا منع الظواهر المناخية المتطرفة.

لكن يمكن تقليل الخسائر الناتجة عنها بصورة كبيرة.

وهنا يجب أن يتغير السؤال من:

كيف نمنع المطر الغزير؟

إلى:

كيف نجعل المدن والقرى والبنية التحتية أكثر قدرة على التعامل معه؟

التجارب الدولية تظهر أن أفضل النتائج تأتي من الجمع بين البنية التحتية التقليدية، والحلول الطبيعية، والتخطيط العمراني، والإنذار المبكر، وإدارة المياه.


الثاني عشر: تحديث شبكات تصريف مياه الأمطار

من أهم الإجراءات الممكنة إجراء تقييم شامل لشبكات تصريف مياه الأمطار في المدن السورية.

ولا يكفي تنظيف المصارف بعد وقوع العاصفة.

المطلوب معرفة:

  • أين تتكرر تجمعات المياه؟
  • ما قدرة كل شبكة على التصريف؟
  • أين توجد الاختناقات؟
  • ما الطرق الأكثر عرضة للغمر؟
  • ما المناطق المنخفضة؟
  • أين تحتاج الشبكة إلى توسعة أو أحواض تجميع؟

كما يجب أن تعتمد المشاريع الجديدة على بيانات الهطول المتطرفة الحديثة، وليس فقط على متوسطات الأمطار التاريخية.


الثالث عشر: تحويل بعض المساحات الحضرية إلى مناطق لاحتجاز المياه

من الحلول التي انتشرت عالميًا مفهوم المدينة الإسفنجية.

الفكرة ليست التخلص من المياه بأسرع ما يمكن، وإنما الاحتفاظ بجزء منها مؤقتًا ثم تصريفه تدريجيًا.

ويمكن استخدام:

  • الأرصفة النفوذة.
  • الحدائق المطرية.
  • المساحات الخضراء.
  • أحواض التجميع.
  • القنوات النباتية.
  • الأسطح الخضراء.
  • خزانات مياه الأمطار.

وفي روتردام الهولندية، تتضمن استراتيجية التكيف إنشاء مساحات تعمل كـ”إسفنجة” لاحتجاز المياه، إلى جانب الدفاعات المائية وممرات التصريف والمساحات الخضراء.

ومن الأمثلة هناك مساحة تخزين مياه تحت الأرض بسعة 10 آلاف متر مكعب، إضافة إلى ممرات زرقاء وخضراء وأسقف خضراء.

الفكرة المهمة بالنسبة لسوريا ليست نسخ روتردام، وإنما الاستفادة من المبدأ:

ليس كل متر مربع داخل المدينة يجب أن يكون سطحًا يمنع الماء من دخول الأرض.


الرابع عشر: استعادة قدرة الطبيعة على احتجاز المياه

في المناطق الريفية والزراعية يمكن إبطاء حركة المياه قبل وصولها إلى الأودية والمناطق المنخفضة.

ويمكن تحقيق ذلك عبر:

  • استعادة الغطاء النباتي.
  • حماية التربة من الانجراف.
  • إنشاء أحواض صغيرة لتجميع مياه الأمطار.
  • إعادة تأهيل بعض الأراضي الرطبة.
  • حماية مجاري الأودية.
  • استخدام حلول طبيعية لتقليل سرعة الجريان.

هذه الإجراءات لا تلغي خطر الفيضان، لكنها يمكن أن تخفف سرعة وصول المياه وحجم الجريان في بعض المواقع.


الخامس عشر: عدم البناء في مسارات السيول

قد يكون منع الخطر قبل حدوثه أقل تكلفة بكثير من إصلاح الأضرار بعد وقوعه.

ولهذا يجب أن تصبح خرائط مخاطر السيول والفيضانات جزءًا من التخطيط العمراني.

وينبغي تحديد:

  • مجاري الأودية.
  • مسارات السيول.
  • السهول الفيضية.
  • المناطق المنخفضة.
  • المناطق القريبة من الأنهار.
  • نقاط تجمع المياه داخل المدن.

ثم استخدام هذه المعلومات عند التخطيط للأحياء الجديدة والطرق والمنشآت.


السادس عشر: بناء نظام إنذار مبكر أكثر دقة

الإنذار المبكر من أهم الأدوات التي يمكن أن تقلل الخسائر البشرية.

لكن الإنذار الأكثر فائدة ليس مجرد:

“أمطار غزيرة متوقعة.”

بل:

“هذه المنطقة تحديدًا معرضة لهطولات شديدة خلال الساعات المقبلة، وقد ترتفع مخاطر السيول في هذا الوادي أو الطريق.”

ولتحقيق ذلك تحتاج سوريا إلى دمج:

  • محطات الرصد الأرضية.
  • رادارات الطقس.
  • الأقمار الصناعية.
  • النماذج العددية.
  • خرائط التضاريس.
  • مراقبة مناسيب الأنهار.
  • مراقبة السدود.
  • أنظمة اتصال سريعة مع السكان.

والأهم أن تصل المعلومة إلى الناس قبل وصول المياه، وليس بعد حدوث الضرر.

وتظهر بعض الخطوات المحلية الحديثة هذا الاتجاه بالفعل؛ ففي أيلول/سبتمبر 2026 أطلقت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث خطة استباقية للحد من مخاطر الفيضانات في الحسكة، مع تركيز على المناطق الواقعة على نهر الخابور ومجاري الأودية، استنادًا إلى تقييم للمخاطر ودروس الفيضانات السابقة.


السابع عشر: مراقبة السدود والمنشآت المائية

أصبح من الضروري التعامل مع سلامة السدود باعتبارها جزءًا من منظومة التكيف المناخي.

وتشمل الإجراءات:

  • فحص المنشآت بصورة دورية.
  • مراقبة مناسيب المياه.
  • تقييم قدرة السدود على تحمل الضغوط.
  • إنشاء أنظمة إنذار مبكر.
  • وضع خطط طوارئ للمناطق الواقعة أسفل السدود.
  • تحديث خرائط الغمر المحتمل.

وهذا الاتجاه موجود بالفعل ضمن مشروع البنك الدولي للمياه في سوريا، الذي يتضمن تقييم سلامة السدود وتطوير أنظمة معلومات للمياه والمناخ وتعزيز مرونة البنية التحتية المائية. كما يستهدف المشروع إعادة تأهيل بنية المياه والصرف الصحي في مناطق ذات كثافة سكانية، مع مراعاة القدرة على الصمود المناخي.


الثامن عشر: تجربة سنغافورة.. عندما تصبح القنوات جزءًا من البيئة

سنغافورة تقدم نموذجًا مختلفًا لكنه مفيد.

فمن خلال برنامج ABC Waters تعمل الدولة على دمج القنوات والمصارف والخزانات المائية مع المساحات الخضراء والبيئة الحضرية بدل التعامل معها كمنشآت إسمنتية منفصلة فقط.

وفي مشروع Sungei Tampines، جرى توسيع وتعميق جزء من المجرى لرفع قدرته على تمرير مياه العواصف، بالتزامن مع إنشاء حدائق مطرية ومناطق طبيعية على ضفاف المجرى للمساعدة في احتجاز وتنقية مياه الجريان السطحي. وقد زادت أعمال التوسعة قدرة المجرى على نقل مياه العواصف بنحو 30%.

الدرس هنا مهم:

البنية التحتية المائية يمكن أن تؤدي وظيفة الحماية من الفيضانات وفي الوقت نفسه تكون جزءًا من البيئة الحضرية.


التاسع عشر: روتردام.. الدفاع لا يعني فقط بناء الحواجز

تجربة روتردام الهولندية تقدم نموذجًا آخر يقوم على الجمع بين عدة طبقات من الحماية:

  • الدفاعات المائية.
  • تخزين المياه.
  • المساحات الخضراء.
  • ممرات المياه.
  • المباني الأكثر مقاومة للفيضانات.
  • مسارات الإخلاء.
  • التخطيط العمراني.

وهذا مهم لأن الاعتماد على إجراء واحد يجعل النظام أكثر هشاشة.

أما الجمع بين عدة إجراءات فيخلق طبقات متعددة من الحماية.


العشرون: ما الذي يمكن أن يناسب سوريا؟

لا تحتاج سوريا إلى نسخ تجارب الدول الأخرى كما هي.

الأفضل هو بناء نموذج يتناسب مع الجغرافيا والإمكانات السورية.

في المدن

  • تحديث شبكات تصريف مياه الأمطار.
  • إنشاء أحواض لتجميع المياه في النقاط الحرجة.
  • استخدام الأرصفة النفوذة حيثما كان ذلك مناسبًا.
  • زيادة المساحات الخضراء.
  • إنشاء حدائق مطرية.
  • تنظيف المصارف بصورة دورية.
  • منع إغلاق مسارات تصريف المياه.

في المناطق الريفية

  • حماية الأودية.
  • الحد من انجراف التربة.
  • استعادة الغطاء النباتي.
  • إنشاء منشآت صغيرة لإبطاء الجريان.
  • حماية الأراضي الزراعية من السيول.

حول الأنهار والسدود

  • مراقبة المناسيب.
  • فحص سلامة المنشآت.
  • تطوير أنظمة الإنذار.
  • إعداد خرائط الغمر.
  • وضع خطط إخلاء واضحة.

على المستوى الوطني

  • زيادة عدد محطات الرصد.
  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية للأمطار والفيضانات.
  • توسيع استخدام الرادار والأقمار الصناعية.
  • إنتاج خرائط مخاطر السيول.
  • ربط الأرصاد والطوارئ والبلديات.
  • تطوير نظام إنذار مبكر متعدد القنوات.
  • إدخال مخاطر المناخ في التخطيط العمراني.

الحادي والعشرون: الانتقال من الاستجابة إلى الوقاية

في كثير من الحالات تبدأ الاستجابة بعد وصول المياه إلى المنازل والطرق.

لكن إدارة المخاطر الحديثة تبدأ قبل ذلك بكثير:

رصد → تحليل → إنذار → استعداد → استجابة → تقييم → تحسين.

كل مرحلة من هذه السلسلة تقلل جزءًا من الخطر.

ولهذا فإن الاستثمار في الرصد والإنذار المبكر والبنية التحتية ليس إنفاقًا على كارثة لم تحدث بعد، بل هو استثمار في تقليل الخسائر عندما تحدث.

والبنك الدولي يؤكد في أعماله المتعلقة بالتكيف والمرونة المناخية أن تقليل آثار الأخطار يتطلب مزيجًا من التنمية المرنة، والبنية التحتية القادرة على الصمود، وإجراءات التكيف المستهدفة، وليس إجراءً واحدًا منفردًا.


الثاني والعشرون: سوريا تحتاج إلى خريطة وطنية للتطرف المناخي

من أهم الخطوات العلمية التي يمكن أن تساعد في المرحلة المقبلة إنشاء خريطة وطنية لمخاطر التطرف المناخي.

ولا ينبغي أن تكون الخريطة مجرد خريطة للأمطار.

بل يمكن أن تجمع بين:

شدة المطر + التضاريس + التربة + الأودية + الأنهار + المدن + البنية التحتية + السدود + السكان.

عند دمج هذه البيانات يمكن تحديد المناطق التي قد تتحول فيها الهطولات الشديدة إلى مخاطر أكبر.

وهنا يمكن أن يصبح الرصد المناخي أداة عملية لاتخاذ القرار، وليس مجرد أرشيف للأرقام.


الخلاصة

تظهر البيانات العلمية طويلة الأمد أن المناخ السوري شهد تغيرات واضحة، وعلى رأسها الاحترار الواسع، إلى جانب تغيرات معقدة ومتباينة مكانيًا في تطرف الهطولات والفترات الجافة والرطبة. ولا يمكن اختزال هذه الصورة في عبارة بسيطة من نوع “الأمطار تزداد” أو “الأمطار تتراجع”.

المشكلة الأكثر أهمية هي أن الهطول الشديد والمركز زمنيًا ومكانيًا يمكن أن يتحول إلى خطر كبير عندما يلتقي مع تضاريس مناسبة للجريان السريع أو بنية تحتية ضعيفة أو مناطق سكنية منخفضة أو شبكات تصريف محدودة القدرة.

وقد أظهرت أحداث شهدتها سوريا خلال عام 2026 أن الأمطار الغزيرة يمكن أن تؤدي بالفعل إلى غمر المنازل والطرق، وانجراف التربة، وتعطل المركبات، وإغلاق الطرق، وفرض استجابات طارئة واسعة، كما أظهرت حوادث مرتبطة بالسدود أهمية إدارة المياه والمنشآت المائية بالتوازي مع التعامل مع الطقس المتطرف.

لكن التطرف المناخي ليس قدرًا يعني بالضرورة وقوع كارثة في كل مرة.

فالتجارب الدولية تثبت أن الاستعداد والتخطيط يمكن أن يقللا حجم الخسائر.

من المدن الإسفنجية في روتردام، إلى إدارة المياه الخضراء في سنغافورة، إلى أنظمة مراقبة السدود والإنذار المبكر، تتكرر الفكرة نفسها:

لا يمكن منع المطر الغزير، لكن يمكن الاستعداد له.

وبالنسبة لسوريا، يبدأ ذلك من فهم دقيق لمناطق الخطر، وتحسين شبكات التصريف، وحماية الأودية ومجاري السيول، ورفع سلامة السدود، وتوسيع شبكة الرصد، وتطوير الإنذار المبكر، وإدخال مخاطر التطرف المناخي في التخطيط العمراني والزراعي.

في النهاية، ليست القضية فقط كمية المطر التي تسقط من السماء.

القضية هي:

أين تسقط؟
وبأي شدة؟
وخلال كم من الوقت؟
وإلى أين تذهب المياه بعد ذلك؟

فالمطر الذي تحتاجه سوريا بشدة يمكن، عندما يأتي بشدة عالية وفي المكان والوقت غير المناسبين، أن يتحول خلال ساعات من مورد ضروري إلى خطر حقيقي.

ومواجهة التطرف المناخي لا تبدأ بمحاربة المطر، بل بفهمه والاستعداد له.


المصادر العلمية والرسمية

  1. Aksu, H., Pektaş, M.H. & Alsenjar, O. (2026). Climate change-induced variabilities and most recent normal in climate extremes using ERA5-Land reanalysis data in Syria from 1950 to 2024. Climate Dynamics, 64, 196. الدراسة الأساسية حول تطرف المناخ في سوريا خلال 1950–2024.
  2. World Bank – Syria Emergency Water Security and Resilient Services Project (2026). يتضمن إعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والصرف، وتقييم سلامة السدود، وأنظمة معلومات المياه والمناخ وتعزيز المرونة المناخية.
  3. World Bank – Rising to the Challenge: Climate Adaptation and Resilience. حول أهمية الجمع بين البنية التحتية المرنة والتكيف المستهدف للحد من آثار الأخطار المناخية.
  4. C40 Cities – Rotterdam Climate Change Adaptation Strategy. مثال على الجمع بين تخزين مياه الأمطار والمساحات الخضراء والدفاعات المائية والتخطيط الحضري.
  5. PUB Singapore – Active, Beautiful, Clean Waters Programme. نموذج سنغافوري لدمج إدارة مياه الأمطار والقنوات والخزانات مع المساحات الخضراء.
  6. PUB Singapore – Sungei Tampines Drainage Improvement & ABC Waters. مثال عملي على زيادة قدرة مجرى مائي على تصريف مياه العواصف ودمج الحدائق المطرية والحلول الطبيعية.
  7. سانا – وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026. استجابة لـ34 موقعًا وتجمعًا سكنيًا في حلب وريف إدلب بعد الأمطار الغزيرة.
  8. سانا – وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، آب/أغسطس 2026. توثيق 58 استجابة ميدانية في خمس محافظات نتيجة الأمطار الغزيرة وتجمع المياه وانجراف التربة وغيرها.
  9. سانا – سد السيحة، آذار/مارس 2026. توثيق انهيار جزء من السد الترابي في ريف حلب الجنوبي عقب الأمطار الغزيرة وارتفاع المياه.
  10. سانا – خطة استباقية لمواجهة مخاطر الفيضانات في الحسكة، أيلول/سبتمبر 2026. مثال على الانتقال من الاستجابة إلى إجراءات الوقاية المسبقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى