دراسات مناخية

دراسة علمية حديثة: الأدلة على تأثير الإنسان في المناخ أصبحت أقوى من أي وقت مضى

مراجعة علمية في مجلة Earth’s Future توضح كيف تكشف «البصمات المناخية» أثر انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي والمحيطات والظواهر المتطرفة

إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ

لم يعد فهم الاحترار العالمي يعتمد على قياس ارتفاع متوسط درجات الحرارة وحده؛ إذ أصبح العلماء قادرين على تحليل الأنماط المكانية والزمنية للتغيرات المناخية، ومقارنتها بما تتوقعه النماذج عند تأثير العوامل البشرية والطبيعية. وفي هذا السياق، خلصت مراجعة علمية حديثة إلى أن الأدلة التي تربط النشاط البشري بالتغير المناخي العالمي ازدادت قوة بصورة ملحوظة خلال السنوات التي تلت عام 2009.

ونُشرت الدراسة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في مجلة Earth’s Future التابعة للاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي، بقيادة بنجامين سانتر، الباحث في جامعة إيست أنجليا البريطانية، وبمشاركة باحثين من مؤسسات علمية، بينها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كولورادو الحكومية وجامعة إدنبرة. وتستعرض الدراسة التقدم الذي أحرزته أبحاث «البصمات المناخية» خلال أكثر من ثلاثة عقود، مع التركيز على التطورات العلمية منذ عام 2009.

المصدر: الاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي AGU

ما المقصود بالبصمات المناخية؟

تعتمد تقنية البصمات المناخية على مبدأ أساسي: لا تقتصر أهمية التغير المناخي على معرفة مقدار التغير الذي حدث، بل تشمل أيضًا شكل هذا التغير وتوقيته وتوزيعه بين مناطق الأرض ومكونات النظام المناخي.

فعندما ترتفع درجات الحرارة عالميًا، يحاول العلماء تحديد ما إذا كان هذا النمط يتفق مع التأثير المتوقع لزيادة تركيز الغازات الدفيئة، أم يمكن تفسيره بالتقلبات الطبيعية وحدها، مثل التغيرات في النشاط الشمسي أو التذبذبات الداخلية للمناخ.

ولتحقيق ذلك، يقارن الباحثون بين بيانات الرصد الفعلية ونتائج النماذج المناخية التي تحاكي تأثيرات مختلفة، بما في ذلك:

  • الزيادة البشرية في تركيز ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة الأخرى.
  • التغيرات الطبيعية في النشاط الشمسي والانفجارات البركانية.
  • التقلبات الداخلية في المحيطات والغلاف الجوي.
  • التفاعل بين العوامل البشرية والطبيعية.

وتكمن قوة هذه الطريقة في أن العوامل المختلفة لا تنتج بالضرورة النمط نفسه من التغيرات. وعندما تظهر في الرصد مجموعة من الأنماط المتوافقة مع التأثير البشري، وتنسجم مع الفيزياء المعروفة ومع نتائج المحاكاة، يصبح إسناد التغير إلى أسبابه أكثر موثوقية.

لماذا أصبحت الأدلة أقوى خلال السنوات الأخيرة؟

بحسب المراجعة، يعود تعزيز الثقة العلمية إلى ثلاثة تطورات رئيسية.

1. سجلات رصد أطول وأكثر تطورًا

أتاحت عقود إضافية من القياسات للعلماء التمييز بصورة أفضل بين الاتجاه المناخي طويل الأمد والتقلبات الطبيعية التي قد تخفي الإشارة البشرية مؤقتًا أو تضخمها في فترة محدودة.

وتشمل هذه البيانات قياسات درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات، وبيانات الأقمار الصناعية ودرجات الحرارة في طبقات الغلاف الجوي.

وكلما طالت السجلات وتحسنت جودتها، أصبح من الممكن اختبار الفرضيات المناخية على فترات أوسع، بدل الاعتماد على اتجاهات قصيرة قد تتأثر بتذبذبات مؤقتة.

2. تطور النماذج المناخية

أصبحت مجموعات المحاكاة المناخية أكبر، مع استخدام نماذج متعددة وتشغيلات عديدة لكل نموذج. ويساعد ذلك في تقدير نطاق التقلبات الطبيعية الممكنة، ومقارنته بالإشارة الناتجة عن التأثيرات الخارجية، خصوصًا زيادة الغازات الدفيئة.

ولا يقتصر الاختبار على معرفة ما إذا كانت المحاكاة تتوقع ارتفاع الحرارة؛ بل يشمل فحص مدى قدرتها على إعادة إنتاج الأنماط المكانية والزمنية المرصودة.

3. توسيع نطاق المؤشرات المدروسة

لم تعد دراسات البصمات المناخية محصورة في متوسط حرارة سطح الأرض. فقد امتدت إلى متغيرات متعددة في الغلاف الجوي والمحيطات، الأمر الذي أتاح اختبار التفسيرات المناخية عبر مصادر مستقلة نسبيًا من الأدلة.

ووفقًا للباحثين، فإن اجتماع هذه التطورات عزز القدرة على تحديد التأثير البشري في أجزاء مختلفة من النظام المناخي، ورفع مستوى الثقة في الاستنتاجات المستخلصة من الرصد والمحاكاة.

الملخص العلمي للدراسة – MIT

بصمة واضحة في بنية الغلاف الجوي

من الأمثلة المعروفة في علم إسناد التغير المناخي اختلاف اتجاه الحرارة بين طبقات الغلاف الجوي.

فمع زيادة الغازات الدفيئة، يُتوقع أن يسخن الغلاف الجوي السفلي، المعروف باسم التروبوسفير، في حين يبرد الغلاف الجوي الأعلى، المعروف باسم الستراتوسفير، وفق تأثيرات متعددة تشمل زيادة ثاني أكسيد الكربون والتغيرات في الأوزون.

وهذا النمط الرأسي ليس مجرد ملاحظة لارتفاع الحرارة أو انخفاضها في مكان ما؛ بل هو نمط فيزيائي مميز يمكن مقارنته بالنتائج المتوقعة من النماذج المناخية.

وقد تناولت دراسات سابقة هذا النمط باستخدام قياسات الأقمار الصناعية والبالونات الجوية، وأظهرت أن تغير البنية الحرارية للغلاف الجوي يوفر دليلًا مهمًا على التأثيرات البشرية.

لذلك، فإن تحديد البصمة لا يعتمد على مؤشر منفرد، بل على توافق مجموعة من القياسات مع الاستجابة الفيزيائية المتوقعة.

هل يمكن إسناد موجات الحر والأمطار الغزيرة إلى تغير المناخ؟

من التطورات المهمة التي تشير إليها المراجعة تحسن القدرة على تقدير أثر الاحترار البشري في احتمال وقوع بعض الظواهر المتطرفة وشدتها، خصوصًا موجات الحر والأمطار الغزيرة في بعض المناطق.

وتقوم دراسات الإسناد عادة على مقارنة عالمين افتراضيين:

  • عالم يتضمن التأثيرات البشرية، ومنها الزيادة في الغازات الدفيئة.
  • عالم افتراضي لا يتضمن تلك التأثيرات البشرية، مع مراعاة العوامل الطبيعية ذات الصلة.

ثم يقدّر الباحثون كيف تغير احتمال الحدث أو شدته بين العالمين، باستخدام ملاحظات فعلية ونماذج وأساليب إحصائية مناسبة.

لكن هذه النتيجة تحتاج إلى تفسير دقيق: لا يعني وجود بصمة بشرية في المناخ أن كل عاصفة أو موجة حر أو فيضان ناتج بالكامل عن الاحتباس الحراري.

فالأحداث الجوية تتأثر أيضًا بالتقلبات الطبيعية، والأنظمة الجوية الإقليمية، والتضاريس، واستخدامات الأراضي، والبنية التحتية. كما أن قوة الأدلة تختلف باختلاف نوع الحدث والمنطقة الجغرافية.

وبالتالي، فإن الإسناد العلمي لا يكتفي بالقول إن الحدث وقع أثناء فترة الاحترار، بل يحاول تقدير مقدار التغير في احتماله أو شدته مقارنة بسيناريو مضاد للواقع.

ماذا تعني النتائج في سياق الجدل العلمي؟

تأتي المراجعة في وقت يستمر فيه النقاش حول كيفية تفسير أدلة تغير المناخ واستخدامها في السياسات العامة. وتتناول الدراسة التقدم الذي تحقق بعد عام 2009، ردًا على تقرير أميركي صدر عام 2025 وشكك في جوانب من أدلة البصمات المناخية.

ويرى مؤلفو المراجعة أن ذلك التقرير لم يعكس بصورة كافية وزن الأدلة العلمية المتراكمة ولا التطورات التي تحققت في أساليب الرصد والمحاكاة والإسناد.

ومن المهم هنا الفصل بين الاستنتاج العلمي والقرار السياسي: فالدراسة تبحث في الأدلة التي تحدد مصادر التغير المناخي، أما اختيار السياسات المناسبة لخفض الانبعاثات أو التكيف مع المخاطر فهو يتضمن اعتبارات اقتصادية واجتماعية وقانونية إضافية.

وتظل مراجعة الأبحاث المنشورة ومقارنتها بالبيانات المرصودة أساسًا لتقييم أي ادعاء علمي، سواء أكان مؤيدًا للتفسير السائد أم معارضًا له.

ماذا تعني هذه النتائج للشرق الأوسط وسوريا؟

بالنسبة إلى سوريا وشرق المتوسط، تكمن أهمية هذه الأبحاث في توفير إطار علمي أفضل لفهم تغير مخاطر الحرارة الشديدة والهطولات المتطرفة والجفاف، بدل الاعتماد على حادثة منفردة أو موسم واحد لاستخلاص اتجاه مناخي طويل الأمد.

لكن لا يمكن نقل نتائج المراجعة العالمية مباشرة إلى سوريا والقول إنها تثبت زيادة الفيضانات في جميع المحافظات أو أن كل موجة جفاف محلية سببها الاحترار العالمي وحده.

ويتطلب ذلك دراسات إقليمية تستخدم سجلات الرصد السورية والإقليمية، وبيانات الأقمار الصناعية وإعادة التحليل المناخي، ومخرجات النماذج، مع فحص التغيرات في شدة الهطول ومدته وتوزيعه المكاني، إلى جانب درجات الحرارة والجفاف.

كما يجب التمييز بين الخطر المناخي والتأثير الفعلي؛ فقد تؤدي الأمطار الغزيرة إلى أضرار أكبر في منطقة تعاني ضعف التصريف أو التوسع العمراني في مجاري السيول، حتى لو لم تكن كمية المطر فيها الأعلى على مستوى البلاد.

ومن هنا، فإن الجمع بين علم الإسناد المناخي والدراسات الهيدرولوجية المحلية ضروري لتقييم المخاطر بصورة عملية.

الخلاصة

تعزز مراجعة سانتر وزملائه الاستنتاج القائل إن الأدلة العلمية على التأثير البشري في تغير المناخ أصبحت أقوى منذ عام 2009، بفضل تحسن الرصد وتطور النماذج وتوسيع استخدام تقنية البصمات المناخية إلى مكونات متعددة من النظام المناخي.

والرسالة الأساسية للدراسة أن فهم الاحترار العالمي لا يعتمد على قياس متوسط درجات الحرارة فقط، بل على فحص مجموعة مترابطة من الأنماط التي تكشف أسباب التغير وتساعد على تقدير آثاره.

ومع ذلك، فإن تحديد التأثير البشري في المناخ العالمي لا يغني عن الدراسات الإقليمية الدقيقة، ولا يعني أن كل حدث متطرف يمكن تفسيره بسبب واحد. وتبقى المقارنة بين الرصد الفعلي والمحاكاة المناخية والتحليل الإحصائي أساسًا لتحويل الأدلة العامة إلى تقييمات موثوقة للمخاطر المحلية.

المصادر العلمية

  1. Santer, B. D., Solomon, S., Thompson, D. W. J., Fu, Q., & Hegerl, G. C. (2026). Fingerprint Evidence for Human Effects on Climate: Advances after the 2009 Endangerment Finding. Earth’s Future, 14(10).
    DOI: https://doi.org/10.1029/2026EF009129
    صفحة الدراسة والملخص العلمي
  2. American Geophysical Union (AGU), 12 October 2026. Scientists reaffirm ‘incontrovertible’ evidence of human influence on climate.
    البيان العلمي الرسمي
  3. Santer et al. (2023). Exceptional stratospheric contribution to human fingerprints on atmospheric temperature. Proceedings of the National Academy of Sciences, 120(20), e2300758120.
    DOI: https://doi.org/10.1073/pnas.2300758120
  4. Santer et al. (2013). Human and natural influences on the changing thermal structure of the atmosphere. Proceedings of the National Academy of Sciences, 110(43), 17235–17240.
    DOI: https://doi.org/10.1073/pnas.1305332110

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى