أخبار سوريا

حريق دمشق الكبير عام 1925.. يوم احترقت أحياء من العاصمة تحت القصف الفرنسي

من سيدي عامود إلى الحريقة.. مأساة بشرية وعمرانية هزّت دمشق وأثارت أزمة دولية وأدت إلى استدعاء الجنرال موريس ساراي

إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ

في تشرين الأول/أكتوبر 1925، عاشت دمشق واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخها الحديث، عندما تعرضت لقصف مدفعي وجوي فرنسي خلال الثورة السورية الكبرى. امتدت الحرائق إلى أحياء من المدينة، وتضررت منازل وأسواق ومبانٍ تاريخية، وسقط قتلى وجرحى، واضطر سكان إلى الفرار من مناطق الخطر، فيما تحولت صور الدمار إلى قضية أثارت جدلاً سياسياً وإعلامياً تجاوز حدود سوريا.

ارتبطت هذه المأساة باحتراق حي سيدي عامود، الذي عُرف لاحقاً باسم «الحريقة»، وبالأضرار التي أصابت أجزاء من قصر العظم ومناطق سكنية وتجارية في دمشق. ولم تتوقف آثار الحادثة عند الخسائر البشرية والعمرانية، بل امتدت إلى العلاقات بين السلطات الفرنسية والسكان السوريين، ووصلت إلى الصحافة الفرنسية والأميركية والبريطانية، كما أصبحت موضوعاً لتقارير دبلوماسية ومناقشات في أروقة عصبة الأمم.

وتقدم الوثائق المعاصرة، إلى جانب الدراسات التاريخية، صورة عن قصف دمشق في خريف 1925، وعن الخلاف الذي نشأ حول أعداد الضحايا وحجم الدمار والمسؤولية عن الأحداث.

الثورة السورية الكبرى.. من جبل العرب إلى دمشق

اندلعت الثورة السورية الكبرى في تموز/يوليو 1925، بقيادة سلطان باشا الأطرش، في جبل العرب، ثم امتدت إلى مناطق سورية أخرى. وجاءت الثورة في مواجهة الانتداب الفرنسي وسياساته العسكرية والإدارية، وفي سياق مطالب السوريين بالاستقلال ورفضهم إخضاع البلاد لسلطة الانتداب.

ومع اتساع المواجهات، شهدت مناطق من سوريا اشتباكات بين الثوار والقوات الفرنسية، وتصاعدت العمليات العسكرية في جبل العرب وريف دمشق والغوطة. وفي تشرين الأول/أكتوبر، وصلت المواجهة إلى العاصمة، حيث دخلت مجموعات من الثوار إلى أجزاء من المدينة، ووقعت هجمات على مواقع أمنية وعسكرية ومقار مرتبطة بالسلطة الفرنسية.

وكان حسن الخراط من أبرز قادة المجموعات المقاتلة في دمشق وغوطتها. وفي 18 تشرين الأول/أكتوبر 1925، تصاعدت المواجهات داخل المدينة، وتعرضت مواقع فرنسية للهجوم، في وقت كانت فيه القوات الفرنسية تواجه اتساع الثورة خارج العاصمة.

وجاء الرد الفرنسي بقصف دمشق بالمدفعية والطائرات، فتحولت المواجهة إلى كارثة أصابت مناطق سكنية وتجارية، وأثارت مخاوف السكان والبعثات الدبلوماسية الأجنبية.

وتشير دراسة الباحث كوينسي رايت، المنشورة عام 1926، إلى أن قصف دمشق وقع في سياق الانتفاضة السورية، وتتناول الأحداث من زاوية القانون الدولي وسلوك الأطراف المشاركة في النزاع.

المصدر: Quincy Wright، The Bombardment of Damascus، المجلة الأميركية للقانون الدولي، نيسان/أبريل 1926.
https://www.cambridge.org/core/journals/american-journal-of-international-law/article/abs/bombardment-of-damascus/0FA51DC109EE152C774E3BCF7E80955D

18 تشرين الأول 1925.. القصف الذي أشعل الحرائق

تظهر الوثائق الدبلوماسية الأميركية أن القصف الفرنسي لدمشق كان موضع متابعة مباشرة من القنصلية الأميركية في المنطقة. ففي برقية مؤرخة في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1925، نقل القنصل الأميركي في بيروت، نوابو شين، إلى وزارة الخارجية الأميركية معلومات تلقاها هاتفياً من القنصل في دمشق، تفيد بأن القوات الفرنسية تقصف المدينة بالمدافع الميدانية والطائرات، وأن المدينة تحترق.

وأشارت البرقية إلى خطورة الوضع الأمني، وإلى أن الطرق ووسائل الاتصال أصبحت غير مأمونة، في وقت كان فيه عدد من السكان والأجانب يخشون مغادرة المدينة أو التنقل في محيطها.

وتكتسب هذه الوثيقة أهمية لأنها كُتبت أثناء الأحداث، وتوثق وصول أخبار القصف والحرائق إلى البعثات الدبلوماسية الأجنبية. كما تكشف عن القلق الذي ساد بشأن اتساع المواجهة واحتمال امتدادها إلى مناطق أخرى من سوريا.

وفي دراسة تاريخية لاحقة، ورد أن القصف استمر قرابة يومين، وأنه ألحق دماراً واسعاً بالمباني والأحياء، فيما أثارت الخسائر البشرية والمادية ردود فعل دولية.

المصادر:

سيدي عامود.. الحي الذي صار اسمه الحريقة

ارتبط اسم حي سيدي عامود ارتباطاً وثيقاً بحريق دمشق الكبير، بعدما تعرضت المنطقة للدمار خلال أحداث تشرين الأول/أكتوبر 1925. وأصبح اسم «الحريقة» متداولاً للدلالة على المنطقة التي ارتبطت ذاكرتها الشعبية باحتراق الحي.

كانت دمشق تضم أحياء وأسواقاً ذات نسيج عمراني متقارب، تتجاور فيها المنازل والمحلات التجارية والممرات، وتنتشر فيها الأبنية ذات العناصر الخشبية والزخارف التقليدية. وقد جعلت هذه الخصائص الحرائق في المناطق المكتظة قادرة على الانتقال بين المباني، فيما صعّب القصف واضطراب الأمن عمليات الوصول إلى المواقع المتضررة.

ولم يكن الحي مجرد مساحة سكنية؛ فقد ارتبطت الحياة اليومية فيه بالتجارة والأسواق والحرف، ولذلك امتدت آثار الدمار إلى السكان ومصادر رزقهم، إضافة إلى المباني التي احترقت أو تضررت.

وأصبحت الحريقة لاحقاً اسماً مكانياً يحمل ذاكرة تلك الأحداث، وظل ارتباطه بحريق عام 1925 حاضراً في الروايات المحلية عن تاريخ دمشق الحديث.

المصدر: الهيئة العامة السورية للكتاب، مجلة التراث الشعبي، مادة عن سوق مدحت باشا وحي سيدي عامود والحريقة.
https://syrbook.gov.sy/wp-content/uploads/2024/11/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF-33-1-converted.pdf

قصر العظم.. معلم تاريخي في قلب الأحداث

كان قصر العظم من أبرز المباني التاريخية التي ارتبطت بأحداث دمشق في تشرين الأول/أكتوبر 1925. وقد خُصص قسم من القصر ليكون مقراً للمفوض السامي الفرنسي، فيما احتضنت أجزاء أخرى منه مؤسسات مرتبطة بالآثار والفنون الإسلامية.

وفي دراسة نشرها الباحث الفرنسي إوستاش دو لوري في مجلة Syria عام 1925، تناول الأضرار التي لحقت بالقصر خلال أحداث 18 تشرين الأول وما تلاها.

ووفقاً للدراسة، تعرض مقر الإقامة للهجوم والنهب والإحراق خلال المواجهات، كما تناولت تفاصيل انتقال النيران إلى أجزاء من المبنى، والأضرار التي أصابت عناصره المعمارية ومحتوياته.

وأشار دو لوري إلى أن الخشب المستخدم في بعض الأجزاء والعناصر الداخلية ساهم في انتشار النيران داخل القسم المتضرر. كما وصف ما جرى بعد إخلاء القصر، وما تعرضت له بعض أجزائه من نهب.

وقد أثارت الأضرار التي لحقت بالقصر اهتماماً خاصاً بسبب قيمته التاريخية والمعمارية، وأصبحت موضوعاً لتقارير وصور نشرت في المؤسسات العلمية الفرنسية خلال العام نفسه.

المصدر: Eustache de Lorey، L’état actuel du palais Azem، مجلة Syria، المجلد السادس، العدد الرابع، 1925، الصفحات 367–372.
https://www.persee.fr/doc/syria_0039-7946_1925_num_6_4_3127

كم بلغ عدد الضحايا؟

تباينت التقديرات المتعلقة بعدد القتلى والجرحى الذين سقطوا خلال قصف دمشق، وأصبحت الحصيلة البشرية من أكثر جوانب الحادثة خلافاً بين المصادر المعاصرة.

ففي دراسة «قصف دمشق» التي نشرها كوينسي رايت عام 1926، أشار الباحث إلى أن سكاناً من دمشق قدّروا عدد القتلى بنحو خمسة آلاف أو أكثر، بينما أعلن الجنرال موريس ساراي حصيلة بلغت 137 قتيلاً، شملت جنوداً فرنسيين وأرمن قُتلوا على أيدي الثوار، إضافة إلى سكان قُتلوا نتيجة القصف.

وفي تقرير نشرته مجلة TIME في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1925، وردت أرقام مختلفة للخسائر. ونقل التقرير عن مصادر غير رسمية موصوفة بأنها موثوقة تقديراً يتراوح بين ألف وألفي قتيل، فيما أشارت تصريحات قادة من الثوار إلى أعداد أعلى بكثير.

كما أوردت دراسة أكاديمية عن الثورة السورية الكبرى تقديراً يقارب 1500 قتيل، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات بشأن حجم الخسائر البشرية.

وتظهر هذه الأرقام أن التقديرات لم تكن موحدة؛ فقد اختلفت المصادر في تحديد عدد القتلى والجرحى، وفي احتساب المدنيين والمقاتلين والضحايا الذين سقطوا خلال الأحداث المرتبطة بالقصف.

المصادر:

الدمار العمراني والخسائر الاقتصادية

امتدت آثار القصف والحرائق إلى المساكن والأسواق والممتلكات التجارية، وتضررت مبانٍ تاريخية ومرافق كانت تشكل جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية لدمشق.

وقد كانت الأسواق الدمشقية، ومنها سوق مدحت باشا والأسواق المحيطة به، جزءاً من النسيج التجاري للمدينة، حيث تتركز المحال والحرف والمخازن في مناطق متقاربة. وأدى تضرر الأبنية والممتلكات إلى خسائر لأصحاب المنازل والتجار، كما تعطلت حركة التجارة والنقل في ظل الاضطراب الأمني.

وفي تقرير نشرته مجلة TIME في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1925، ورد أن شهوداً وصفوا الخسائر البشرية بأنها بلغت نحو ألف شخص، وقدرت خسائر الممتلكات بأكثر من عشرة ملايين دولار. أما دراسة أكاديمية لاحقة عن الثورة السورية الكبرى، فقد أوردت تقديراً للخسائر المادية بلغ نحو تسعة ملايين دولار.

وتناقلت بعض الروايات أرقاماً أخرى للخسائر، من بينها تقديرات بملايين الجنيهات الإسترلينية. وقد ارتبطت هذه الأرقام بالتقارير التي ظهرت في ظروف الحرب، واختلفت في طريقة احتساب المباني والممتلكات المتضررة.

المصادر:

موريس ساراي.. من قصف دمشق إلى الأزمة السياسية في فرنسا

كان الجنرال موريس ساراي المفوض السامي الفرنسي في سوريا خلال أحداث عام 1925، وأصبح القصف الذي تعرضت له دمشق محوراً لانتقادات سياسية وإعلامية واسعة.

وفي فرنسا، تناولت الصحف الحادثة بلهجة شديدة، وظهرت انتقادات لأسلوب إدارة الانتداب الفرنسي وللقرارات العسكرية التي اتُخذت خلال الثورة. ونشرت مجلة TIME في 9 تشرين الثاني/نوفمبر تقريراً عن الأزمة، نقلت فيه انتقادات من الصحافة الفرنسية، وأشارت إلى الضغوط التي تعرضت لها حكومة رئيس الوزراء بول بانلو بسبب ما جرى في سوريا.

كما تناول التقرير مطالبات باستدعاء ساراي، في ظل الانتقادات التي طالت إدارته للأحداث. وطلبت لجنة الانتدابات الدائمة التابعة لعصبة الأمم من الحكومة الفرنسية تقديم توضيحات بشأن الشكاوى والاحتجاجات المرتبطة بقصف دمشق.

وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1925، أبلغ القنصل الأميركي في بيروت وزارة الخارجية الأميركية أن بياناً رسمياً أعلن أن ساراي سيغادر إلى باريس بناءً على تعليمات حكومته لتقديم إيضاحات شفهية بشأن الأحداث.

وتوثق وثائق الخارجية الأميركية لاحقاً تعيين هنري دي جوفنيل مفوضاً سامياً جديداً في سوريا في تشرين الثاني/نوفمبر 1925، بعد استدعاء ساراي وتولي الجنرال دوبور المهام مؤقتاً.

وبذلك، ارتبط قصف دمشق بأزمة سياسية فرنسية، وأصبح تغيير القيادة المدنية والعسكرية في سوريا جزءاً من التطورات التي أعقبت الحادثة.

المصادر:

هنري دي جوفنيل.. بداية مرحلة جديدة في إدارة الانتداب

بعد استدعاء ساراي، اتجهت الحكومة الفرنسية إلى تعيين شخصية مدنية في منصب المفوض السامي، في سياق الانتقادات التي أثارتها إدارة الانتداب والأحداث العسكرية في سوريا.

وفي 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1925، أُبلغت وزارة الخارجية الأميركية بتعيين السيناتور الفرنسي هنري دي جوفنيل، رئيس تحرير صحيفة Le Matin، مفوضاً سامياً في سوريا.

وتناولت الصحافة الفرنسية والدولية هذا التغيير باعتباره جزءاً من التحول في أسلوب إدارة الانتداب، في وقت كانت فيه الحكومة الفرنسية تواجه ضغوطاً بسبب استمرار الثورة واتساع الانتقادات الموجهة إلى عملياتها العسكرية.

وفي تقرير نشرته مجلة TIME في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1925، أشارت المجلة إلى أن دي جوفنيل كان يُنظر إليه في باريس بوصفه شخصية تميل إلى الحذر والتفاوض، وأن تعيينه جاء خلفاً لساراي بعد استدعاء الأخير إلى فرنسا.

المصادر:

المطالب الفرنسية بعد القصف.. المال والسلاح تحت التهديد

لم تنتهِ الأزمة مع توقف القصف الأولي، إذ استمرت الضغوط الفرنسية على دمشق في الأيام التالية.

وفي برقية مؤرخة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1925، نقل القنصل الأميركي في بيروت أن السلطات الفرنسية طالبت دمشق بمئة ألف جنيه ذهبي تركي وثلاثة آلاف بندقية، مع التهديد باستئناف قصف المدينة إذا لم تُنفذ المطالب قبل ظهر اليوم التالي.

وأشارت البرقية إلى أن رئيس مجلس الجمعية السورية، وهو أحد أعضاء وفد من سبعة أشخاص يمثلون أهالي دمشق، أبلغ الجانب الأميركي أن الوفد سيبلغ المفوض السامي بأن دمشق غير قادرة على دفع المبلغ أو تسليم الأسلحة، وأن استئناف القصف سيكون على مسؤولية الجهة التي تقرره.

وفي برقية أخرى، أُبلغت وزارة الخارجية الأميركية بأن سوريا ضمنت دفع الغرامة، وأن استئناف القصف أُجّل إلى حين التوصل إلى تسوية أكثر تحديداً.

وتوضح هذه الوثائق أن الأزمة شملت مطالب مالية وعسكرية فرضت في ظل التهديد بالقصف، وأن وفداً من ممثلي دمشق توجه للتفاوض مع المفوض السامي الفرنسي بشأنها.

المصدر: وزارة الخارجية الأميركية، برقية 23 تشرين الأول/أكتوبر 1925.
https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1925v02/d81

ردود الفعل الدولية وعصبة الأمم

أثار قصف دمشق اهتماماً دولياً، وتناولته الصحافة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، كما وصل إلى لجنة الانتدابات الدائمة التابعة لعصبة الأمم.

وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر 1925، طلبت لجنة الانتدابات من فرنسا تقديم توضيحات رسمية بشأن العرائض والاحتجاجات التي قُدمت على خلفية القصف.

وذكرت مجلة TIME في تقريرها الصادر في 9 تشرين الثاني/نوفمبر أن الحكومة الفرنسية واجهت انتقادات داخلية، وأن اللجنة الدائمة للانتدابات طلبت توضيحات بشأن الشكاوى المتعلقة بقصف دمشق.

كما وثقت المراسلات الأميركية متابعة الحكومة الأميركية للأحداث، وناقشت حماية الرعايا الأجانب وإمكانية اتخاذ إجراءات لحماية المصالح الأميركية في المنطقة. وأظهرت البرقيات أن الوضع الأمني أثار مخاوف بشأن سلامة المدنيين والبعثات الأجنبية، وبشأن احتمال اتساع الاضطرابات إلى مناطق أخرى.

وفي الدراسة التي نشرها كوينسي رايت عام 1926، عولجت الحادثة من زاوية القانون الدولي، بما في ذلك مسؤولية الأطراف المتحاربة وما يترتب على قصف المدن من آثار على السكان والممتلكات.

المصادر:

النزوح والمساعدات الإنسانية

رافقت القصف والاضطرابات موجة من النزوح من دمشق ومناطق سورية أخرى، في ظل الخوف على سلامة السكان وتعطل الطرق والاتصالات.

وتشير الوثائق الدبلوماسية الأميركية إلى وصول لاجئين من دمشق إلى بيروت، وإلى وجود حاجة إلى المساعدات الغذائية والملابس للفئات التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها. كما تحدثت المراسلات عن أوضاع اللاجئين الأرمن في دمشق، وعن تقارير بشأن تضرر مخيم للاجئين ووصول أشخاص إلى لبنان في ظروف معيشية صعبة.

وفي برقية مؤرخة في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1925، أوصى القنصل الأميركي في بيروت بتقديم مساعدات بقيمة خمسة عشر ألف دولار إلى لجنة الإغاثة الأميركية لتوزيع الطعام والملابس على نحو ثمانية آلاف لاجئ مسيحي من جبل الدروز كانوا قد لجؤوا إلى دمشق ودرعا وإزرع نتيجة أحداث الثورة.

وفي برقية أخرى مؤرخة في 26 تشرين الأول/أكتوبر، طلب القنصل إبلاغ الصليب الأحمر ومنظمة الإغاثة للشرق الأدنى بالضائقة التي يعاني منها نحو اثني عشر ألف لاجئ أرمني في دمشق، ودعا إلى توفير مساعدات إضافية.

وتكشف هذه الوثائق عن اتساع الأزمة الإنسانية في سوريا خلال تلك الفترة، وعن الحاجة إلى الإغاثة في مناطق متعددة، فيما كانت حركة النزوح تتزايد مع استمرار المواجهات.

المصادر:

التضامن الوطني وامتداد الثورة إلى المدن السورية

لم تقتصر أحداث الثورة السورية الكبرى على دمشق، بل امتدت إلى مناطق متعددة، من جبل العرب إلى الغوطة ومناطق أخرى من البلاد. وأصبحت أخبار القصف والدمار جزءاً من المشهد العام للثورة، التي شهدت مشاركة قوى محلية وشخصيات وطنية ومجموعات مسلحة في مناطق سورية مختلفة.

وتناولت الروايات التاريخية المحلية مظاهر التضامن مع دمشق وأهلها خلال المحنة، فيما أظهرت الوثائق المعاصرة حركة النزوح إلى بيروت ومناطق أخرى، والحاجة إلى توفير الغذاء والملابس والمساعدات للمتضررين.

كما ترافقت الأحداث مع احتجاجات وعرائض قُدمت إلى عصبة الأمم من سوريين ومجموعات من المهاجرين السوريين في الخارج، تناولت سياسة الانتداب الفرنسي والأضرار التي أصابت السكان خلال العمليات العسكرية.

وبقيت الثورة السورية الكبرى مستمرة حتى عام 1927، رغم القصف والخسائر والضغوط العسكرية، وأصبحت أحداث دمشق في تشرين الأول/أكتوبر 1925 من أبرز محطاتها التاريخية.

المصدر: Damascus, 1925: The Bombing of the City, Humanitarian Relief and Petitioning for Syrian Independence to the League of Nations، أطلس التاريخ الإنساني وحقوق الإنسان.
https://hhr-atlas.ieg-mainz.de/articles/bogliolo-damascus

الحريقة.. ذاكرة مدينة لم تنسَ حريق عام 1925

بقي اسم الحريقة مرتبطاً بواحدة من أكثر المراحل إيلاماً في تاريخ دمشق الحديث. فالحي الذي ارتبط اسمه بحريق سيدي عامود أصبح شاهداً مكانياً على أحداث تجاوزت حدود المباني التي تضررت، لتشمل حياة السكان ومصادر رزقهم وذاكرة المدينة.

وتحمل الوثائق والصور التاريخية التي نُشرت بعد الحادثة تفاصيل عن الأضرار التي أصابت الأبنية والممتلكات، فيما تكشف المراسلات الدبلوماسية والصحف المعاصرة حجم الاهتمام الذي أثارته المأساة في الخارج.

أما على المستوى السياسي، فقد ارتبطت الحادثة باستدعاء موريس ساراي وتعيين هنري دي جوفنيل، وباحتجاجات دولية ومطالب بتقديم توضيحات حول القصف، في وقت كانت فيه الثورة السورية الكبرى تتسع وتؤثر في مسار الانتداب الفرنسي.

وهكذا بقي حريق دمشق الكبير عام 1925 جزءاً من الذاكرة التاريخية للعاصمة، وواحداً من الأحداث التي ارتبطت بالقصف والدمار والنزوح خلال سنوات الثورة السورية الكبرى.

المصادر والمراجع

  1. Quincy Wright، The Bombardment of Damascus، American Journal of International Law، المجلد 20، العدد 2، نيسان/أبريل 1926، الصفحات 263–280.
    https://www.cambridge.org/core/journals/american-journal-of-international-law/article/abs/bombardment-of-damascus/0FA51DC109EE152C774E3BCF7E80955D
  2. وزارة الخارجية الأميركية – مكتب المؤرخ: برقية القنصل الأميركي في بيروت، 19 تشرين الأول/أكتوبر 1925.
    https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1925v02/d77
  3. وزارة الخارجية الأميركية – مكتب المؤرخ: برقية القنصل الأميركي في بيروت، 21 تشرين الأول/أكتوبر 1925.
    https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1925v02/d80
  4. وزارة الخارجية الأميركية – مكتب المؤرخ: برقية القنصل الأميركي في بيروت، 23 تشرين الأول/أكتوبر 1925.
    https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1925v02/d81
  5. وزارة الخارجية الأميركية – مكتب المؤرخ: برقية 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1925 بشأن مغادرة ساراي إلى باريس.
    https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1925v02/d95
  6. وزارة الخارجية الأميركية: وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة لعام 1925، المجلد الثاني.
    https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1925v02/papers
  7. Eustache de Lorey، L’état actuel du palais Azem، مجلة Syria، المجلد السادس، العدد الرابع، 1925، الصفحات 367–372.
    https://www.persee.fr/doc/syria_0039-7946_1925_num_6_4_3127
  8. TIME، FRANCE: Syrian Scandal، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1925.
    https://time.com/archive/6658899/france-syrian-scandal/
  9. TIME، Foreign News: In Syria، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1925.
    https://time.com/archive/6654641/foreign-news-in-syria-2/
  10. The Syrian Revolt of 1925، International Journal of Middle East Studies، 1977.
    https://www.cambridge.org/core/journals/international-journal-of-middle-east-studies/article/abs/syrian-revolt-of-1925/A429AD3BC73FE72C824CE516EECC2A13
  11. Damascus, 1925: The Bombing of the City, Humanitarian Relief and Petitioning for Syrian Independence to the League of Nations، أطلس التاريخ الإنساني وحقوق الإنسان.
    https://hhr-atlas.ieg-mainz.de/articles/bogliolo-damascus
  12. الهيئة العامة السورية للكتاب، مجلة التراث الشعبي، مادة عن سوق مدحت باشا وحي سيدي عامود والحريقة.
    https://syrbook.gov.sy/wp-content/uploads/2024/11/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF-33-1-converted.pdf

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى