سنوات تفيض وأخرى تشح.. هل تنجو مصر من تقلبات النيل؟

بالتزامن مع تطور ظاهرة “النينيو” خلال عام 2026، حذرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعات التابعة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، من تسببها في ضعف أمطار موسم الكيرمت (يونيو/حزيران-سبتمبر/أيلول) في مناطق إنتاج الأمطار الرئيسية في إثيوبيا، بما فيها أجزاء من الهضبة الإثيوبية المغذية للنيل، كما أصدر مركز التنبؤات المناخية لدول شرق أفريقيا التابع لإيغاد (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية)، توقعا يشير إلى احتمال مرتفع لأمطار أقل من المعدل الطبيعي، خاصة في المناطق الوسطى والشمالية الشرقية والشمالية الغربية من إثيوبيا، وهو ما أثار مخاوف لدى البعض من عودة شبح سنوات الجفاف الممتدة، التي أطلق عليها “السبع العجاف”، والتي شهدها حوض نهر النيل قبل نحو 40 عاما، وتحديدا من عام 1983 وحتى 1989.
ولم يشهد حوض النيل منذ ذلك التاريخ فترات جفاف ممتدة تركت تأثيرا ملموسا على الموارد المائية والزراعية والاقتصادية، لكن كان يشهد نوعا من “الجفاف الدوري”، الذي يتكرر كل عدة سنوات، ويرتبط غالبا بظاهرة “النينيو” المناخية، ويستمر عادة من موسم واحد إلى سنتين أو ثلاث سنوات على الأكثر، ويعود المناخ بعدها إلى ظروفه الطبيعية أو الرطبة.
ويعرف “النينيو” بأنه مرحلة من ارتفاع حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي (الجزء من المحيط الواقع حول خط الاستواء)، تؤدي إلى اضطراب واسع في أنماط الطقس عالميا، وقد ترتبط أحيانا بزيادة الجفاف في شرق أفريقيا.
وخلال عامي 1997 و2023، شهد العالم ظاهرة نينيو قوية، سجلت خلالها أجزاء عديدة من إثيوبيا، وجنوب السودان، وأوغندا، وغرب كينيا هطول أمطار أقل من المعدل الطبيعي خلال الفترة من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول، وهي ظروف يراها تقرير مركز التنبؤات المناخية لدول شرق أفريقيا التابع لإيغاد مشابهة لتلك المتوقعة خلال عام 2026، لكن بعض التقارير الصحفية تحدثت عن مخاوف من جفاف ممتد يعيد إلى الأذهان ذكريات “السبع العجاف”.

ماذا يعني رقم “سبع سنوات” ؟
ولا يحمل الرقم “سبع سنوات” أي دلالة علمية خاصة بمناخ حوض النيل، ولا يوجد ما يشير إلى أنه مدة مميزة أو متكررة، لكنه في الأساس وصف تاريخي لفترة جفاف امتدت من 1983 إلى 1989، وكان لها أسبابها، واكتسب شهرته بسبب التشابه مع تعبير “السنوات السبع العجاف” الوارد في التراث الديني.
إعلان
ويقول الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب في تصريحات للجزيرة نت، إن “تلك الفترة من الجفاف الممتد كانت نتاج تزامن نادر لعدة أنظمة مناخية عالمية، أبرزها اضطرابات المحيط الهادئ المرتبطة بظاهرة النينيو، إلى جانب تغيرات في حرارة وتذبذب المحيط الهندي، وتحولات في أنظمة الرياح المدارية بما أدى إلى سلسلة متواصلة من المواسم ضعيفة المطر”.
ويوضح أن هذا “الاصطفاف المناخي” الاستثنائي لم يتكرر بالشكل نفسه خلال العقود الأربعة الماضية، لكن هذا لا يعني غياب الخطر، إذ تميل أنماط المناخ الحديثة إلى إنتاج صورة مختلفة تماما، تتلخص تفاصيلها في سنوات قد تشهد أمطارا غزيرة وفيضانات مرتفعة، تتبعها سنوات شحيحة بشكل حاد، في ما يشبه “التأرجح المناخي” بدلا من الجفاف المستمر”.
ويضيف أن “التهديد الأكبر لحوض النيل، لم يعد في تكرار سبع سنوات عجاف متتالية، بل في زيادة التقلبات وعدم القدرة على التنبؤ بتتابع المواسم بين وفرة وشح”.
وتؤيد دراسة لباحثين من المركز الدولي لإدارة مخاطر المياه نشرتها دورية “سستينابيليتي” (Sustainability) ما ذهب إليه مجدي، حيث ذهبت إلى أن مستقبل النيل الأزرق قد لا يتجه نحو زيادة أو نقص ثابت في المياه، بل نحو نظام هيدرولوجي أكثر تقلبا، حيث تتزايد احتمالات حدوث فيضانات أشد وجفاف أكثر حدة ضمن فترات زمنية متقاربة، ما يفرض تحديات كبيرة على التخطيط المائي في حوض النيل.
واستندت دراسة أخرى نشرتها دورية “نيتشر كلايمت تشينج” (Nature Climate Change)، إلى بيانات رصد ونماذج مناخية متعددة، وتوصلت إلى أن التغير المناخي قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في التقلبات السنوية لتدفق نهر النيل خلال القرن الحادي والعشرين، حيث يُتوقع أن تصبح كمية مياه النيل أكثر تقلبا، بزيادة تصل إلى نحو 50% (وقد تزيد أو تقل بحوالي 35%) مقارنة بالقرن العشرين.
وترجع الدراسة هذا الارتفاع في التقلبات إلى زيادة محتملة في تكرار وشدة ظاهرتي النينيو والنينيا، إضافة إلى العلاقة المناخية المباشرة بين هذه الظواهر وتدفق النيل. وتخلص النتائج إلى أن هذا التغير سيجعل تدفقات النهر تميل إلى عدم الاستقرار بشكل كبير، بما يفرض ضرورة إعادة تقييم قدرات التخزين المائي الحالية وخطط التوسع المستقبلية في حوض النيل، لمواكبة نظام مائي يتسم بتقلبات أعلى بين فترات الوفرة والشح.
تعاون لا بديل عنه
ويتفق الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة مع التوصيات التي خلصت إليها تلك الدراسة، مشيرا إلى أن التقلبات السنوية لتدفق نهر النيل نتيجة الوضع المناخي المتطرف، تفرض ضرورة التعاون بين دول المصب (مصر والسودان) والجانب الإثيوبي لضمان ألا يكون سد النهضة سيفا مسلطا على رقبة تلك الدول في حالتي الفيضان والجفاف.
ويقول عباس لـ “الجزيرة نت”: “العام الماضي، والذي شهد أمطارا غزيرة، أدى عدم وجود آلية تنسيق وتعاون إلى تصريف كميات كبيرة من مياه خزان السد خلال وقت قصير جدا، لاستيعاب مياه الأمطار الجديدة، وهو ما أدى إلى حدوث فيضانات في السودان، بينما خزنت مصر المياه التي وصلتها في بحيرة ناصر، وتم تفريغ الفائض منها في مفيض توشكى”.
إعلان
وخلال فترات ملء خزان سد النهضة من 2020 حتى 2024، لم يتزامن ذلك مع جفاف إقليمي كبير ممتد، بل جرى خلال فترة من التذبذب الطبيعي في الأمطار (وفرة نسبية في بعض السنوات)، وبالتالي لم نشهد مواسم ضاغطة بشكل كبير.
ويستطرد عباس: “إذا كانت مصر لديها حلول في وقت الوفرة، فلا يجب الانتظار لحدوث الأزمة خلال مواسم الجفاف الدوري التي يمكن أن تتكرر كل عدة سنوات، وهو ما يفرض ضرورة التوصل لاتفاق يضمن ألا يحتجز الجانب الإثيوبي خلال تلك المواسم كميات أكبر من المياه تنتقص من حصة مصر السنوية بشكل كبير”.
وتاريخيا، تستقبل مصر سنويا 55.5 مليار متر مكعب من المياه، تقل في سنوات الجفاف المتوسط إلى 45–50 مليار متر مكعب، وتقل أكثر في سنوات الجفاف الشديد إلى 40 مليار متر مكعب، وكانت مصر قادرة على تعويض الكميات التي تفقدها بسبب الجفاف من خلال الكميات المخزنة في بحيرة السد العالي (بحيرة ناصر)، لكن مع ما تشير إليه الدراسات من توقع المزيد من مواسم الجفاف الدوري، يجب ضمان ألا يكون سد النهضة سببا في تراجع كبير في حصة مصر، تصبح معها بحيرة ناصر غير قادرة على تعويض أي نقص بنفس الفعالية السابقة، كما يوضح عباس.
ويضيف أن مصر استطاعت في السنوات السبع العجاف التاريخية (من 1983 حتى 1989) تعويض النقص بمساعدة بحيرة ناصر، مع تنفيذ قوانين صارمة وقتها، شملت غرامات على رش الشوارع وغسيل السيارات، لكن في الوقت الراهن ومع الزيادة السكانية، يجب الاستعداد بحلول بديلة أكثر فعالية، إلى جانب تنفيذ قوانين لترشيد الاستهلاك أشبه بتلك التي تم تنفيذها في الماضي.

حلول فعالة لا تغني عن الحق التاريخي
وخلال سنوات ملء خزان سد النهضة، استثمرت مصر في حلول جنبت المصريين الشعور بتأثيرات سنوات الملء، وإن كانت الأموال التي وجهت لتلك الحلول، قد رفعت من فاتورة القروض الخارجية، لكنها كانت حلول تمثل “حياة أو موت ” كما وصفها عباس.
وشملت هذه الحلول تنفيذ مشروعات كبرى لمعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، أبرزها محطات بحر البقر والمحسمة والدلتا الجديدة، بطاقة إجمالية تصل إلى 4.8 مليار متر مكعب سنويا.
كما تم التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر، حيث تنتج مصر حاليا نحو 1.4 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا عبر 129 محطة، مع خطة لرفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 8.85 مليون متر مكعب يوميا بحلول 2050، ويمثل هذا الرقم أقل من 1% من إجمالي الاحتياجات المائية المصرية التي تتجاوز 100 مليار متر مكعب سنويا، لكنه يوفر مصدرا متزايد الأهمية لمياه الشرب في المدن الساحلية ويخفف الضغط على مياه النيل.
وإلى جانب ذلك، تم الاستثمار في مشروعات تقليل الفاقد أثناء نقل المياه عبر تبطين الترع، والتحول إلى الري الحديث في بعض المناطق، وتقليل زراعة المحاصيل المستهلكة للمياه مثل الأرز.
ومؤخرا، أضافت الحكومة المصرية لهذه الحلول تطبيق “البصمة المائية“، حيث تم تشكيل لجنة تضم 4 وزارات لتصنيف مشروعات الصناعات الغذائية، وفقا لمعدلات استهلاك المياه، وذلك بهدف وضع أكواد ومعايير تنظيمية خاصة للمنتجات والصناعات لتصنيفها وتقييمها من حيث معدلات استهلاكها للمياه وحجم القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد.
ولا تغني هذه الحلول عن الاستمرار في الضغط المصري من أجل الحصول على الحصة السنوية التي تأتي معظمها من الهضبة الإثيوبية التي توفر نحو 80-85% من مياه النيل الواصلة إلى مصر عبر النيل الأزرق ونهر عطبرة.
وإذا كانت هذه الحصة قد تقل بسبب سنوات الجفاف الدوري، فليس من المفترض أن يزيد سد النهضة من تخفيض معدلاتها، لاسيما أن مصر في السنوات الطبيعية تعاني في الأساس من عجز مائي، بحسب عباس.
إعلان
وتصل الاحتياجات المائية المصرية الى 114 مليار متر مكعب سنويا، يقابلها موارد مائية لا تتجاوز 60 مليار متر مكعب سنويا، تمثل حصة مياه النيل منها 95%، ويتم سد جزء من الفجوة بين الموارد والاحتياجات المائية من خلال إعادة استخدام 21 مليار متر مكعب من المياه سنويا، بالإضافة لاستيراد محاصيل من الخارج بما يقابل حوالي 33.50 مليار متر مكعب سنويا فيما يعرف بـ “المياه الافتراضية”، وفق بيانات وزارة الري المصرية.



