أقوى من “النينيو”.. كيف يحمي غبار الشرق الأوسط طقس العالم؟

يبدو أن تداعيات العواصف الترابية في منطقة الشرق الأوسط، تتجاوز تأثيراتها المحلية على طقس المنطقة، إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ كشفت دراسة نشرتها دورية “نيتشر كومينيكيشنز”، أنها أقوى تأثيرا على طقس العالم من ظاهرة “النينيو”.
ويتحكم في طقس العالم ما يسمى بـ”ثنائية قطب المحيط الهندي”، وهي الظاهرة التي تنتج عن تذبذب درجات حرارة سطح البحر بين الجانبين الغربي والشرقي من المحيط، وكان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن المحرك الأساسي لتقلبات تلك الظاهرة، ما يعرف بـ”النينيو والنينيا” في المحيط الهادئ، إلى جانب التفاعلات الداخلية بين الغلاف الجوي والمحيط الهندي نفسه.
ويعرف النينيو بأنه “مرحلة دفء غير طبيعي لمياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي (الشرقي والأوسط)، تؤدي إلى إضعاف الرياح التجارية، وتتسبب عادة في جفاف ببعض المناطق”.
وعلى العكس، فإن “النينيا”، هي “برودة غير طبيعية لتلك المياه، وتحدث عندما تشتد الرياح التجارية لتدفع المياه الدافئة نحو الغرب، مما يسمح للمياه الباردة بالصعود للسطح، وتؤدي غالبا إلى تأثيرات معاكسة تماما للنينيو”.
وكان العلماء يرون المحيط الهادئ والمحيط الهندي كحوضين متصلين بـ”أنبوب هوائي”، فإذا ارتفعت الحرارة في حوض الهادئ (النينيو)، اختل الضغط الجوي وشد السحاب معه، مما يغير اتجاه الرياح فوق المحيط الهندي تلقائيا ويدفعه نحو مرحلة الطور الغربي الدافئ (الدفء يتجه نحو سواحل أفريقيا والشرق الأوسط)، والعكس صحيح في حالة النينيا.
لكن الدراسة الحديثة التي أعدها فريق بحثي من جامعة بكين بالتعاون مع معهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا سان دييغو، وعالم المناخ البارز بمعهد الأرض بجامعة كولومبيا جيمس هانسن، أحدثت طفرة علمية، بإثبات محدودية تأثير هذا “الجسر الجوي”، مقارنة بما يفعله الغبار والجسيمات العالقة المنبعثة من منطقة الشرق الأوسط، مثل شبه الجزيرة العربية والصحاري المحيطة، حيث تلعب دورا خارجيا حاسما ومباشرا في توجيه وتحريك ظاهرة “ثنائية قطب المحيط الهندي” المتحكمة في طقس العالم، وهو عامل كان مغفولا عنه أو غير مقدر بالشكل الكافي في النماذج المناخية السابقة.

كيف برهن العلماء على قوة الغبار؟
واستند الباحثون في دراستهم إلى آلية تحليل ذكية، حيث قاموا بجمع وتدقيق بيانات الأقمار الصناعية وسجلات الطقس والمحيطات الممتدة على مدار 40 عاما (من 1980 إلى 2020)، ثم تغذيتها في نماذج مناخية حاسوبية متطورة>
ومن خلال هذه المحاكاة، أظهرت التحليلات الرقمية أن التغيرات التي تطرأ على نشاط الغبار في الشرق الأوسط من عام لآخر، مسؤولة وحدها عن تفسير 36% من التقلبات الحرارية السنوية في المحيط الهندي، وهذا الرقم الضخم أثبت للعلماء أن الغبار ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو شريك رئيسي يتحكم في ثلث سلوك المحيط.
وللتأكد من أن الغبار يؤثر بمفرده وليس مدفوعا بظاهرة “النينيو” الشهيرة في المحيط الهادئ، استخدم الباحثون آلية رياضية معقدة لـ “فصل وتثبيت” تأثير النينيو وحذفه تماماً من معادلات الطقس.
و كانت المفاجأة، أنه رغم غياب النينيو إحصائيا، ظل الرابط قويا جدا، وتبين أنه كلما انخفض الغبار، ارتفعت حرارة غرب المحيط الهندي. بل واكتشفوا أنه بحلول فصل الخريف، وهو وقت ذروة النشاط المناخي، يتفوق تأثير غبار الشرق الأوسط على تأثير النينيو تماما، ليصبح الغبار هو المحرك الخارجي الأول والأقوى لمنظومة الطقس في المحيط الهندي خلال هذا الموسم.

درع حماية مناخي
وشرحت الدراسة الآلية الفيزيائية الدقيقة التي تعطي للغبار كل هذا التأثير، حيث وجد الباحثون أنه في الوضع الطبيعي، عندما تنشط العواصف الترابية بكثافة فوق شبه الجزيرة العربية صيفاً، يعمل الغبار كمظلة تعكس أشعة الشمس وتمنعها من الوصول لسطح الماء، مما يحافظ على برودة بحر العرب (شمال غرب المحيط الهندي).
ويبدأ التأثير على طقس العالم عندما يغيب الغبار، ففي السنوات التي يشهد فيها الشرق الأوسط تراجعاً في العواصف الترابية صيفا، تختفي “المظلة” التي كانت تحجب الضوء، وتصبح السماء صافية تماماً فوق بحر العرب (شمال غرب المحيط الهندي)، ويسمح غياب هذا الحاجز لأشعة الشمس القوية بضرب سطح المياه بشكل مباشر ومكثف، مما يؤدي إلى ارتفاع سريع وحاد في درجات حرارة المياه بغرب المحيط الهندي المحاذي لأفريقيا، ويخل هذا الفارق الحراري المفاجئ بالتوازن الجوي، فيطلق رياحاً تجارية شرقية قوية عبر خط الاستواء، تدفع بالمياه السطحية الدافئة بعيداً عن سواحل إندونيسيا وأستراليا وتدفعها لتتكدس في الغرب، بينما تصعد المياه العميقة الباردة في الشرق، وهي الحالة التي تتسبب في خريف وشتاء مرعبين، يترجمان إلى فيضانات عارمة في شرق أفريقيا، وجفاف حاد وحرائق غابات كارثية في أستراليا وإندونيسيا.
وتقود هذه النتائج إلى مفارقة كونية، فعواصف الغبار التي تصنف محليا كعامل تلوث مزعج، هي بمثابة “درع حماية مناخي” بالغ الأهمية لاستقرار كوكب الأرض، فعندما ينشط غبار الشرق الأوسط في مواعيده الطبيعية وبمستوياته المعتادة، فإنه يحمي العالم من الطقس المتطرف عبر العمل كـ “مظلة كوكبية واقية” تمنع الاحترار الزائد للمحيط، وتكبح جماح الفيضانات والجفاف قبل حدوثها.
الغبار.. بين التأثير والمبالغة
ومن جانبها، أشادت رافايلا سوتيروبولو، الأستاذة المساعدة بجامعة غرب مقدونيا، والمتخصصة في إدارة البيئة الجوية، بنتائج الدراسة، كونها تسلط الضوء على دور لم يحظ بالاهتمام الكافي سابقا لغبار الشرق الأوسط في التأثير على مناخ المحيطين الهندي والهادئ.
لكنها أوضحت في تصريحات للجزيرة نت، أنه ينبغي النظر إلى الغبار بوصفه “عاملا خارجيا مؤثرا” أو “مُعدلا” لشدة ظاهرة ثنائية القطب في المحيط الهندي، وليس باعتباره السبب الوحيد وراء نشأتها.
وقالت الباحثة، التي شاركت في دراسات سابقة عن الغبار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن “العواصف الغبارية نفسها تتأثر بأنظمة مناخية واسعة النطاق، مثل ظاهرة النينيو والرياح الموسمية وأنماط الضغط الجوي، ما يجعل من الصعب الفصل الكامل بين تأثير الغبار وتأثير هذه العوامل الأخرى”.
وأضافت أن تقدير الدراسة بأن غبار الشرق الأوسط يفسر نحو 36% من التغيرات السنوية في ظاهرة ثنائية القطب يُعد مؤشرا قويا على أهمية هذا العامل، لكنه لا ينبغي اعتباره رقما ثابتا أو حقيقة مطلقة، إذ يعتمد على نماذج مناخية وبيانات رصد تحمل بطبيعتها قدرا من عدم اليقين.
وأشارت إلى أن النماذج المناخية الحالية ما زالت تواجه تحديات في تمثيل التفاعلات المعقدة بين الغبار والسحب والإشعاع الشمسي والغلاف الجوي.
وأكدت أن الآلية الفيزيائية التي تقترحها الدراسة تبدو منطقية ومتوافقة مع الفهم الحالي لعلوم المناخ، إذ أن التغيرات في تركيز الغبار يمكن أن تؤثر في كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى المحيط، ومن ثم تغير أنماط الرياح ودرجات حرارة المياه. ومع ذلك، ترى أن تأكيد هذا التأثير بصورة نهائية يتطلب مزيدا من التجارب باستخدام نماذج مناخية مستقلة ومقارنات أوسع مع بيانات الأقمار الصناعية والأرصاد المناخية طويلة الأمد.
واختتمت بالقول إن القيمة الحقيقية للدراسة لا تكمن في استبدال دور ظاهرة النينيو أو التفاعلات الطبيعية بين المحيط والغلاف الجوي، بل في إظهار أن غبار الشرق الأوسط يمثل عاملا إضافيا مهما قد يسهم في تحسين فهم العلماء لظاهرة ثنائية القطب في المحيط الهندي وتعزيز دقة التنبؤات المناخية المستقبلية.
علاقة معقدة
ويتفق ديميتريس كاسكاوتيس، عضو فريق أبحاث الغلاف الجوي بمعهد البحوث البيئية والتنمية المستدامة بالمرصد الوطني لأثينا، مع كثير مما ذهبت إليه رافايلا في تعليقها على الدراسة، وقال في تصريحات للجزيرة نت إن “العلاقة بين الغبار وظاهرة ثنائية القطب في المحيط الهندي معقدة ومتبادلة، فالتغيرات في درجات حرارة مياه المحيط يمكن أن تؤثر في قوة الرياح الموسمية، بينما تؤثر الرياح الموسمية بدورها في معدلات انبعاث الغبار من مناطق جنوب غرب آسيا وصحراء ثار الهندية، لذلك فإن الغبار لا يعمل بمعزل عن بقية مكونات النظام المناخي، بل يشكل جزءا من شبكة متداخلة من التفاعلات بين الغلاف الجوي والمحيطات”.
وأوضح ديميتريس، الذي شارك هو الآخر في دراسات سابقة عن تأثيرات الغبار، أنه من المعقول علميا أن يؤثر غبار الشرق الأوسط في ظاهرة ثنائية القطب وفي قوة الرياح الموسمية الصيفية عبر تغيير التوازن الإشعاعي في الغلاف الجوي وزيادة التسخين فوق بحر العرب وغرب المحيط الهندي، وهو ما قد ينعكس لاحقا على أنماط الأمطار في الهند، لكنه أبدى تحفظا بشأن إعطاء تقدير رقمي دقيق لحجم هذا التأثير، مثل النسبة التي طرحتها الدراسة والبالغة 36% من التغيرات السنوية في الظاهرة المناخية.
ولفت إلى أن النماذج المناخية وقواعد بيانات إعادة التحليل المستخدمة in مثل هذه الدراسات ما زالت تنطوي على قدر من عدم اليقين، كما أن تأثير أنواع أخرى من الهباء الجوي، مثل الدخان المنقول لمسافات بعيدة الناتج عن الحرائق، قد يشارك أيضا في تشكيل التفاعلات بين الغلاف الجوي والمحيطات، لذلك يرى أن فهم الدور الحقيقي للغبار يتطلب تقييم جميع هذه العوامل مجتمعة.



