درعا التي نحبها.. مدينة الإمام النووي التي لن يتركها الله

اليوم كنت في “درعا”، زرتها كأحد أبنائها المجاورين، هي دائماً تعاملنا كذلك، كأبنائها، لكنها اليوم بدت كما لم تكن، منهكة، وجوه الناس تعبة ومنكوبة. لا أقول أن للأمر علاقة بحالة التشظي، فهم أناس لم يرتاحوا من هذه الحالة لعشر سنوات متواصلة، لكن ما أقصده أن الوجع كما كل السوريين بات مغروساً مثل خنجر في الخاصرة.

في طريقي زرت مدينة “نوى“، من منا لا يعرف هذه المدينة، إنها نواة سهل حوران وقلبه، لدي هنا في هذا المكان ذكريات و أصدقاء، مئة ألف نسمة أكاد أجزم أن نصفهم ترك قلبه بها ورحل، منهم من مات ومنهم من هاجر، ومنهم من ابتلعته الحرب كما يبتلع الشك قلب أنثى موجوعة.

اليوم عرجتُ على صديق قديم فيها لازال يصارع مثلي البقاء حيّاً، لكنه لازال طيباً كما تركته ولم تلوثه الحرب، رأيت المحبة في عينيه اللتين اتسعتا لرؤيتي، وبلهجة حورانية جميلة استقبلني: (يا هلا بالعزوة). فبين “الجولان” و”حوران” ليس حدود إدارية، إنما بينهما مصاهرة ونسب وقرابة ووحدة حال وعزوة، لهذا أنا ابن الجولان المحتل، أسمع تلك العبارة دائماً وأتحسسها بقهوتهم المرّة التي تلذع طرف لساني كلما مررت بهم أخاً وضيفاً وصاحباً وصديقا.

يعيش هذا الصاحب أيضاً كسكان هذه المدينة وشبانها الذين باتوا مثل قهوتهم يصرفون أيامهم الأخيرة، بمرارتها وينتظرون الفرج بلذاعة، ليست هذه المدينة كالتي أعرفها منذ سنوات، لم تعد كذلك، تغيرت أمور كثيرة، لكن وحدها النخوة لن تتغير.

سوق الجمعة على ازدحامه بدا لي خالياً، حتى من الرغبة في التسوق أو لربما عدم القدرة على ذلك، وكذلك خلا من مجادلة الباعة، الجميع مخدرون من الوجع كما لو أنهم ينتظرون الخلاص الذي لن يأتي قريباً، فالحرب والحصار أتعب الجميع.

قبل مغادرتها ركنتُ دراجتي على مدخل مقبرتها، باتت تغص بالموتى، ليعذرني أبناء المدينة، إنها مدينة للموتى، شبانها محطمون كزجاج النوافذ، فتياتها الجميلات كبرنّ قبل وقتهنّ، أطفالها آباء صغار ينهشون لقمتهم من فم السبع ليعيلوا أسرهم، ليست المدينة التي أعرفها، ربما تشبه البلاد كلها.

منتصف المقبرة وسط المدينة فوق مرتفع صغير لازالت وصايا ورائحة بخور “النووي”، ذاك الإمام الجليل، تغطي المكان وتمنح لهذه المدينة أُنسها، فكلما جلستَ في ذاك المكان يذكّرك أبناؤه كيف حاول متشددون بلحى طويلة و مستعارة جلبوها معهم من سوق “كابل” للقطع المستعملة والرخيصة، و قاموا كاللصوص بتفجير هذا المقام قبل سنوات، وكيف في صباح اليوم التالي من الحادثة قامت المدينة بنسائها وأطفالها يجمعون قطع القرآن المتطايرة في الشوارع جراء الإنفجار، إنهم أناس يحبون رموزهم وأبطالهم، إنهم أناس يحبون مقدساتهم و بلادهم. إنهم أناس يحبون الحياة.

اقتربتُ أكثر من المكان، مسحتُ وجهي براحتي وقد قرأتُ سورة الفاتحة، وعند نهاية السورة نظرت حولي، آثار ما خلفه “الضالين” في هذا المكان لازال واضحاً للعيان، فكررت في نفسي المتعبة (ولا الضالين، اللهم آمين، اللهم آمين).

قبل سنوات كنت أفعل ذلك دوماً حين أعود من الجامعة إلى منزلي مروراً بهذا المكان الطاهر، أدعو الله هناك من ثم أجلس في ذاك المكان، أراقب البسطاء ممن يتوافدون للدعاء باحثين عن الطمأنينة، قرب سياج مقام هذا الإمام الجليل كنت أشعر بالسكينة، تلك السكينة التي تغزوني من ظل شجيرات الكينا القريبة منه، كما كانت تؤنسني بلا مبالغة وقع خطوات الناس والمتسولين والباعة الجوالين على الاسفلت المعبّد بالحفر والمطبات.

في هذه الأثناء دنا رجل ضخم من المكان يرتدي سروالاً عريضاً، خلع نعليه واقترب وقد رفع أكف الضراعة إلى السماء، تذكرت حين رأيته ما قاله أستاذ التاريخ ذات يوم، كان الزوار العابرون لهذه المدينة قبل عشرات ولربما مئات السنين يخلعون أحذيتهم أثناء مرورهم بها، كي لا يدنسوا هذه المدينة المباركة.

في حرب الأيام الستة أيضاً، لم يخرح سكان المدينة، لم يتركوها نازحين لقد مارسوا أعمالهم كما لو كانوا على يقين أنها مدينة لن تطالها الحرب والموت، مضوا في شوارعها لأنهم كانوا على قناعة أنها مدينة الإمام “النووي” التي لن يتركها الله وحيدة ولن يطالها القصف.

لقد كانوا ولازالوا يحتمون بها وهي تحتمي بهم.

 

سناك سوري

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

%d مدونون معجبون بهذه: