حاملو الشهادات العليا مهددون بالانقراض .. “الحبر لا يشبع البطون والقصائد لا تبني البيوت”

ألاف من حملة الشهادات العليا من صحفيين وكتاب وأدباء ومهندسين ومدرسين، عشرات السنين من الدراسة والاطلاع والدورات وبناء الخبرات، ليالٍ طويلة، ومئات الأقلام التي جف حبرها على ورقٍ ربما استخدم لمسح زجاج مكتب أو ليصبح “قطرميز المكدوس” مثقلاً بالثقافة، لم تشفع جميعها لمثقفي سوريا ما فرضه الزمان عليهم .
منزل أستاذ التربية الوطنية، وليد (نتحفظ على ذكر الاسم بشكل كامل)، يقع في منطقة للعشوائيات بضواحي دمشق، ويدفع أجاره 65 ألف ليرة (أي زيادة عن راتبه ما يقارب 20 ألف)، تعطل فيه الصرف الصحي، وبعد محاولات جاهدة، باءت بالفشل لإصلاحه دون ورشة، اضطر لدفع 15 ألف ليرة أجار تسليك وتصليح “للبلاليع” التي طافت في منزله، “15 ألف ليرة لأني بمون عليه وبدرس ولادو بالمدرسة” هذا ما قاله أستاذ التربية الوطنية، ل”هاشتاغ سوريا”، حين سألناه عن الفرق بالدخل بين المهن الحرة ووظائف الشهادات الجامعية ، مشيراً إلى أن أجار ساعتين عمل في الصرف الصحي هو ثلث قيمة راتبه الشهري .
وباتت المقارنة بين الأعمال الحرة (كالنجارة والدهان ومكنيك السيارات وتمديد شبكات الصرف الصحي وغيرها ..) وبين مهن اصحاب الشهادات العليا من (مدرسين وصحفيين وكتاب وحتى الأطباء) ذات نتيجة واضحة من ناحية المردود المالي والجهد المبذول، حيث يقول الصيدلاني عاطف “استغرقت دراستي الجامعية ما يقارب السبع سنوات (مع ماجستير)، وكلفتني الكثير من الوقت والجهد والمال، وأنا اليوم غير قادر على فتح صيدليتي الخاصة لأعمل ضمنها، وإنما أعمل كمندوب لبيع الأدوية لإحدى الشركات براتب 125 ألف ليرة شهرياً ولمدة 9 ساعات يومياً، وأشعر حرفياً بالعبودية اتجاه عملي، فلا المردود مناسب وأنا غير قادر على تحسين وضعي والمطالبة براتب أعلى لأن البدلاء جاهزين فورياً” .
أما منذر، خريج أدب عربي، يعمل كمدرس صباحاً، ومدقق لغوي في إحدى الصحف السورية الخاصة، يتحدث عن رغبته بترك عمله كمدقق لغوي (الأمر الذي يعشقه) على حد تعبيره، ويسعى للعمل كسائق تكسي على سيارة جاره مساءً، براتب يقارب 90 ألف ليرة، في حين أنه يتقاضى مقابل عمله الذي “يعشقه” مرتب 40 ألف ليرة شهرياً فقط، ويقول منذر ل”هاشتاغ سوريا”، كنت غير مقتنع بكلام زوجتي أن “الحبر لا يشبع البطون والقصائد لا تبني البيوت”، ولكن مع الوقت أثبتت لي صحة وجهة نظرها .
أما أبو علي، صاحب محل لبيع الفطائر في جديدة عرطوز البلد، له وجهة نظر مختلفة نوعاً ما، حيث يقول “غالباً ما تمنيت لو أنني أكملت تعليمي، فموضوع التقاعد مغري وله أهمية كبيرة بعد أن يجبرك جسدك على تخفيف حجم العمل، فلكل مهنة حرة ضريبة يدفعها الجسد مع التقدم بالعمر، بالرغم من أن دخلي أكبر من دخل صديق لي يعمل كمهندس في محافظة دمشق”، ويشير أبو علي إلى أن راتب صديقه المهندس عند بدء عمله كان يبلغ سبعة ألاف ليرة شهرياً، في حين كانت “أسبوعية” أبو علي تبلغ نفس المبلغ .
ويضيف أبو علي “ولكن الحظ حالف صديقي، وتمكن من السفر إلى الإمارات، وبعد عدة سنين تمكن من شراء منزل وسيارة، فالوضع خارج البلد مختلف عن ما بداخله، والمردود المالي لأصحاب الشهادات في الخارج أعلى وأكبر” .
ومع بقاء الوضع الاقتصادي على هذا الحال، وسيطرة أرباب العمل في القطاع الخاص على عقول موظفيهم واستعبادهم مادياً، في ظل غياب الحلول الاقتصادية من قبل الدولة وخاصة للقطاع العام، يخاف المجتمع السوري من انقراض حملة الشهادات العليا ومثقفيه واختفائهم بشكل تدريجي، فلربما زوجة منذر على حق بأن “الحبر لا يشبع البطون والقصائد لا تبني البيوت”، ولعل العمل كسائق والقاء القصائد للزبائن أفضل من تدقيق الكلمات في صحيفة تتحدث عن تهديد بانقراض حملة الشهادات في سوريا !!

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد