الحرائق وقطع الأشجار والصيد الجائر ترهق غابات سوريا

طوى السوريون صيفهم الملتهب بحرائق أتت على غابات بأكملها ولأيام متواصلة حوّلتها رماداً، ففي الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عرفت الغابات حرائق تخطى عددها الـ 170، لم تشهد البلاد لها مثيلاً، وشملت اللاذقية وطرطوس وحمص وحماه. وأوضحت وزارة الزراعة أن 60 في المئة من مساحات الأراضي المتضررة هي أراضٍ حرجية، والمساحة المتبقية أراضٍ زراعية، وإجمالي المساحات المزروعة في الأراضي الزراعية بلغت أربعاً في المئة.

 وخسرت البلاد بسبب تلك الحرائق أنواعاً من الأشجار لا مثيل لها، وأشجاراً نادرة وسط وعود بتعويض المزارعين.

ولم تكن حرائق الغابات هذه السنة سابقة من نوعها بل تتكرر كل عام، لكن انتشارها وضخامتها هذا الموسم جعلاها محطّ اهتمام ومتابعة، وتركت أثرها الخطير في التنوّع الحيوي.

مخاطر تهدد الغابات

وتتعرّض الغابات السورية، وحتى ما قبل الحرب، إلى قطع للأشجار غير منظم، لكن الأمر زاد سوءاً مع اندلاع النزاع عام 2011.

وأسف الناشط البيئي فواز غنام من مدينة طرطوس لما تتعرض له غابات الساحل السوري، لا سيما تدمير مساحات شاسعة منها، وتحويلها إلى أراضٍ زراعية، وبذلك انقرض الكثير من أنواع الحيوانات المفترسة وغير المفترسة التي كانت تسكن هذه الغابات وتحمل هوية سوريا البرّية منها مثلاً، الدب السوري ونمر الأناضول والغزال الجبلي، وأصبحت كل أنواع الحيوانات البرية الأخرى مهددة بشكل كبير بالانقراض، “غزال اليحمور والضبع السوري والذئب الرمادي والذئب العربي والنيص والأرنب البرّي، والنمس وابن عرس وغيرها الكثير من الأنواع المهددة جدياً بالانقراض والاختفاء نهائياً، وهذا يشكل خسارة وطنية كبيرة للتنوّع الحيوي في سوريا لا يمكن تعويضه نهائياً”.

تجارة على حساب الطبيعة

وترتسم صورة سوداوية لواقع المساحات الخضراء من الغابات المتناثرة في البلاد كنتيجة مباشرة للحرب والحصار مع تحوّل أخشاب الأشجار إلى تجارة، ويتفاوت سعر الطن الواحد بين 150 إلى 200 ألف ليرة سورية، ما يعادل 80 دولاراً.

أضاف الناشط غنام أن هذه الغابات لن “تصمد سنوات طويلة” بسبب ما تتعرّض له، “العوامل المؤثرة في الغابات، التفحيم، وتحويل الأشجار إلى فحم طبيعي يقدّم إلى المطاعم والمقاهي (النرجيلة) في ظل حاجة السكان المحليين الفقراء إلى مصدر دخل يعينهم لتأمين لقمة عيشهم في ظل الحرب والغلاء والحصار”.

وتتراجع الغابات بشكل خطير وسط عدم إمكانية الحديث عن التوعية البيئية في مجتمع يبحث أصلاً عن وسيلة للبقاء. ويقول غنام، وهو أيضاً صاحب مشروع للسياحة البيئية في قرية السميحقية بريف طرطوس، “دول الغرب التي تتغنى بالحفاظ على البيئة والمناخ وحماية الحياة البرّية تسببت في تدمير جزء مهم من التنوّع الحيوي في العالم من خلال الحصار الجائر الذي تطبقه على سوريا، والذي ينعكس سلباً على غاباتها ومواردها الطبيعية وكنوزها البرّية والبيئية، ويهدد كل أنواعها البرّية بالانقراض”.

انعكاسات سلبية على الحيوان

وينظر المتخصص في الحياة البرّية عرفان حيدر بحسرة لما تتعرّض له الغابات، لا سيما الحرائق وتأثيرها السلبي الكبير ليس في الأشجار فقط، بل في الحياة البرّية، فالغابات الصالحة لاختباء الحيوانات المتوسطة والكبيرة هي الصنوبر فقط بعد انهيار الغابة الطبيعية.

حماية البيئة والتنوع

وقبل عقد من الزمن، بدأ الناس بجمع الحطب، وبحسب رأي حيدر، أنهم لم يعملوا على قطع أشجار الصنوبر لاعتقادهم أن عقوبتها شديدة إلى أن تقزّمت المساحات الخضراء، “بدأ معظم سكان الأرياف بصناعة الفحم وكانت هذه الكارثة الكبرى، لم يبقَ مكان لاختباء الحيوانات، ولم تعد هذه الأحراج تنتج الثمار كما كانت، والتي كانت تتغذّى عليها القوارض وغيرها، فأدى هذا إلى تراجع هائل في أعداد الحيوانات البرّية”.

الكارثة البيئية لم تتوقف عند الحرائق وقطع الأشجار، إنما شملت أيضاً اصطياد الحيوانات التي باتت أهدافاً مشروعة للصيادين ومصدراً آخر للتجارة، “أدى إلى اختفاء طائر الحسون بشكل كامل تقريباً، وتراجع كبير في أعداد الحجل وغيره، وأنواع البوم كافة، والمؤسف أن هذه الحيوانات ستموت حتماً في الأقفاص وتختفي من برارينا إلى الأبد”.

ويوصي خبراء ومتخصّصو الحياة البرّية بحماية ما تبقّى من غابات طبيعية باتت بأمسّ الحاجة لذلك، ومن الضروري تحديد ملكية الدولة ربما بسور أو حزام أخضر للمواقع الطبيعية للحؤول دون استملاكها من أهالي المناطق المحيطة وتحويلها إلى أراضٍ زراعية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

%d مدونون معجبون بهذه: