الجامعات السورية خارج التصنيفات العالمية كيف يمكنها العودة؟

الجامعات السورية خارج التصنيفات العالمية كيف يمكنها العودة؟

 

لاقى موضوع ترتيب الجامعات السورية في الأشهر الأخيرة صدىً واسعاً في الأوساط الشعبية والطّلابية ليتأرجح فهم الحالة بين اعتقاد عام بخروج الجامعات السورية من التّصنيفات العالمية للجامعات مع نفي رسمي وتأكيد على استمرار الاعتراف بالشهادة السورية.

وفي ظل وجود عدّة تصنيفات عالمية للجامعات تصدر عن جهات مختلفة تبقى وجهتا النظر ساريتا المفعول فالجامعات السورية خارجَ كلِّ التصنيفات العالمية المهمّة والتي تعتدُّ بها الأوساط الأكاديمية في حين تحضر في تصنيفات أخرى أقلّ أهمية وموثوقية لجهة معايير التقييم المستخدمة.

تصنيفات بمعايير مختلفة

تُصدر مؤسسات مختلفة تصنيفات بمعايير متعددة ومختلفة للجامعات العالمية. إلا أن التصنيفات الثلاثة التي تنال الاعتراف الأوسع عالمياً في الأوساط الأكاديمية هي تصنيف شانغهاي، وتصنيف التايمز، وتصنيف QS.

تختلف معايير التصنيف وأوزانها في التصنيفات سابقة الذكر ما يؤدي لاختلاف ترتيب الجامعات فيها، ومن أهم المعايير المستخدمة عدد المنشورات العالمية للباحثين في الجامعة في قواعد البيانات العالمية المعتد بها (مثل سكوبوس و ويب أوف سينس) وعدد الاستشهادات بهذه المنشورات ونسبة عدد الطلاب إلى المدرسين ونسبة الطلاب الأجانب وسمعة الجامعة التي تقاس عبر استبيان عدد كبير من الأكاديميين عالمياً. كذلك، يعتمد تصنيف شانغهاي على عدد الباحثين من حملة جائزة نوبل في الجامعة لإصدار الترتيب.

لا تتواجد أي جامعة سورية في التصنيفات الثلاثة السابقة وإنما تحضر جامعاتنا فقط في تصنيف ويبومتركس والذي يصنف عدداً أكبر بكثير من الجامعات العالمية اعتماداً فقط على حضورها الإلكتروني وبالتالي فمعاييره لا تعكس سوية العملية التدريسية أو البحثية في الجامعة. وبالنتيجة فإن جامعاتنا تغيب فعلاً عن أهم التصنيفات العالمية للجامعات وتحضر فقط في التصنيف الذي يشمل العدد الأكبر من مؤسسات التعليم العالي.

وفي الوقت الذي تغيب فيه الجامعات السورية عن هذه التصنيفات تحضر 43 جامعة من 10 دول عربية ضمن أفضل ألف جامعة عالمية وفق تصنيف QS. تتصدر السعودية الدول العربية ب 10 جامعات ضمن التصنيف من ضمنها الجامعة الأفضل عربياً وهي جامعة الملك عبد العزيز والتي تحتل المرتبة 143 عالمياً. تلي السعودية الإمارات ولبنان بثمان جامعات لكل منهما. كما تحضر في التصنيف أربع جامعات لكل من مصر والأردن وثلاث للكويت واثنتان لكل من البحرين والعراق وجامعة واحدة لعُمان وقطر.

الأزمة والاستجابة

مع تزايد ردود الفعل التي أتت بمعظمها شعبوية وغير خبيرة على انخفاض ترتيب الجامعات السوري وفق تصنيف ويبومتركس (الوحيد الذي تظهر فيه) لم تأتِ الاستجابة من المعنيين بالحرفية المطلوبة. عملت وزارة التعليم العالي بمنهجية إسعافيه عبر محاولة تكثيف الحضور الإلكتروني للجامعات السورية.

أدى ذلك إلى رفع ترتيب الجامعات السورية لتعود إلى ما كانت عليه سابقاً في تصنيف ويبومتركس، إذ عادت جامعة دمشق لتتصدر الجامعات الوطنية في المرتبة 3578 عالمياً تليها تشرين في المرتبة 4613 عالمياً. واستقر ترتيب جامعاتنا عند هذه المراتب على مدى نسختين متتاليتين من التصنيف بعد الحلول الإسعافية التي جرى العمل عليها.

خطة وطنية للبحث العلمي

على التوازي مع الإجراءات الإسعافية سابقة الذكر أصدرت الوزارة ما أسمته “الخطة الوطنية لتمكين البحث العلمي في الجمهورية العربية السورية”.

وتضمنت الخطة مجموعة من المقترحات لتطوير البحث العلمي كنشر ثقافة البحث العلمي على أن يتم تنفيذها على 4 مراحل متوازية وهي (إعداد قواعد بيانات بحثية جامعية رقمية، تعزيز ثقافة البحث العلمي ونشرها، تعزيز البيئة التمكينية للبحث العلمي، ربط البحث العلمي مع سوق العمل). إلا أن هناك نقاط ضعف عديدة تشوب هذه الاستراتيجية وأهمها عدم ارتباط محتواها بالمشكلة المطلوب حلها وهي تراجع تصنيف الجامعات السورية.

فعلى الرغم من أن دعم البحث العلمي يشكل حجر الأساس لدعم ترتيب الجامعات إلا أن هناك العديد من القضايا الأخرى الإجرائية والتنظيمية التي يجب النظر إليها لتعزيز التصنيف والتي تظهر بوضوح في معايير التصنيف المذكورة أعلاه.

كذلك، لا تحتوي الخطة على أية مؤشرات كمية تسمح بتقدير نسب الإنجاز؛ فالخطة التي تطمح لتطوير البحث العلمي لم تضع أية مؤشرات تتعلق بعدد المنشورات السنوية الخارجية مثلاً أو حتى الداخلية للباحثين أو عدد الاستشهادات المرجعية بها وإنما اتجهت إلى أهداف عامة كنشر ثقافة البحث العلمي والتي تعد مهمة مستمرة زمنياً وتشمل فئات زمنية مختلفة ولا تساهم مباشرة في رفع تصنيف الجامعات.

والنتيجة بالتالي ما نراه اليوم من ركود في تصنيف الجامعات السورية لن تفيد هذه الاستراتيجية في تغييره نظراً لأنها لم تصمّم لذلك، كما أنها لن تفيد في رفع الإنتاج البحثي للجامعات السورية نظراً لافتقارها للأدوات المطلوبة.

ماذا نفعل؟!

إن نشر ثقافة البحث العلمي يكون بدعمه لكي يصبح العمل في وظيفة باحث جذاباً كمهنة ولكي يصبح البحث حاجة للجهات الاقتصادية الوطنية وليس بالترويج له كمنتج أو سلوك.

تمتلك العديد من الدول برامج للتميز الأكاديمي الجامعي تقوم على العمل على رفع تصنيف جامعاتها الوطنية عبر تقديم تمويل إضافي لها بشروط خاصة، وتحصل الجامعات على هذا التمويل على أساس تنافسي بعد تقديم خططها لتحسين ترتيبها للجهة المعنية. لابد لهذه الأداة أن تترافق مع عمل تشريعي قانوني على تطوير آليات إدارة الجامعات السورية وعلى أن تكون برامج رفع التصنيف تتوافق مع العمل على تطوير منظومة وطنية متكاملة للابتكار تكون الجامعات أحد مكوناتها الرئيسية وتعمل في فلك أولويات هذه المنظومة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

%d مدونون معجبون بهذه: